شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٠
" وكيف يحمل حملة الله " بدون العرش قبل " الله " فقال: حملة بالنصب على المفعول المطلق أي كيف يحمل العرش الله حمله الذي في طوقه بالنسبة إلى محمولاته، ثم قال وفي بعض النسخ بل في كثير = عن عدد الثمانية بل عن أصل الحمل، وغرضه الاعتراض على اعتقاد المسلمين بظنه من تجسيم الواجب وحلوله المكان واحتياجه إلى الحملة، ولذلك أجاب أمير المؤمنين (عليه السلام) بتوضيح المقصود من العرش ومعنى الحمل، فقال: المقصود من العرش العلم ويعبر عن العلم بالنور، ووجهه واضح، والمقصود من حمل العرش على الحملة إعطاء العلم للعلماء، والعلم أربعة أقسام بالتقسيم الجملي أحمر أخضر وأصفر وأبيض، والألوان مظاهر النور، إذ ليس اللون في الحقيقة إلا كيفية حاصلة من الأشعة على ما تبين في محله، والعلماء الحاملون إما من الملائكة المقربين وإما من علماء البشر المقتبسين علمهم من الملائكة. ويشمل كلامه (عليه السلام) بإطلاقه جميعهم، والعلماء وإن كانوا كثيرين فإنهم لا يخرجون عن أربعة أقسام كما قال: ليس يخرج عن هذه الأربعة شئ، لأن علماء البشر وأمثالهم تبع لما في عالم الملكوت، وعالم الملكوت عالم الغيب لا يراه إلا الأصفياء وأراه خليله (عليه السلام)، وما في ذلك العالم أربعة لا غير، ويدل على أن علماء البشر مقصودون بالكلام قوله (عليه السلام) فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين إلى آخره، حتى أن الجاهل المعادي أيضا أدرك بسره نورا فعاداه، والمنتحلون للأديان المشتبهة والباطلة أيضا أدركوا نورا فغلطوا وأخطأوا في تحقيقه لاختلاط الأوهام، نظير الشهوة التي جعلت في الإنسان لغاية صحيحة فانحرفت وصرفت إلى ما لا يجوز، وأما توجيه الألوان فقد ذكر فيا مر ولم يجب (عليه السلام) عن سر الثمانية في القيامة لعدم كون سؤال السائل متوجها إليه، وسيجئ إن شاء الله وجه له. وبما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) يظهر بطلان تأويل بعض المعتزلة في العرش وحملته وجعله بمنزلة الكنايات حيث لا يكون كل كلمة من الكناية تعبيرا حقيقيا أو مجازيا عن شئ مثل كثير الرماد وطويل نجاد السيف، وكذلك قالوا: ليس العرش تعبيرا عن شئ ولا الحملة تعبيرا عن أشخاص يحملون العرش بل الجملة تعبير يعنى به العظمة، وقد ذكر صدر المتألهين هنا كلاما جديرا بأن ننقله وإن طال بنا الكلام. قال - رحمه الله - ثم لا يخفى على أولي النهى ومن له تفقه في الغرض المقصود من الإرسال والإنزال أن مسلك الظاهريين الراكنين إلى إبقاء صور ألفاظ الكتاب وأوايل مفهوماتها أشبه من طريق المتأولين في صون عقائد المسلمين المكلفين بالطاعة والانقياد البدني لنيل السلامة والنجاة في النشأتين، وذلك لأن ما فهمه الظاهريون من أوائل المفهومات هي قوالب الحقائق التي هي مراد الله ومراد رسوله، وليس ما حصل للراسخين في العلم من أسرار القرآن وأغواره مناقضا لظاهر التفسير بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه من قشره، وإلى روحه من قالبه كما ستعلم من حمل الكرسي على العلم كما حمله أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهذا هو المراد بعلم التأويل لا ما يناقض الظاهر كما ارتكبه القفال والزمخشري وغيرهما من قولهم لا كرسي ولا عرش ولا قعود ولا استواء، بل المراد تصوير وتخيل للعظمة والكبرياء إلى آخر ما قال. فإن قيل: إن كان الإيمان بالظاهر كافيا وهو قالب الحقيقة فما الفائدة في التأويل ؟ قلنا فائدة التأويل دفع سورة استبعاد الناس لكثير مما ورد في الدين ومنع إنكار جماعة يرون بعض الظواهر مخالفا للواقع، لقد تأول أئمتنا (عليهم السلام) وجه الله وعين الله ويد الله والعرش والحملة لئلا يوجب تجسيم الواجب تنفير العقلاء عن الدين، ولو لم يكن التأويل مجازا لم بيق في العالم عاقل متدين قط وكفر العقلاء يوجب تزلزل العوام كما أن إيمانهم يقوي إيمانهم، فكم قد ضر بالدين من سد باب التأويل كما ضر به من وسع في فتح بابه، ولا فرق بين الحشوية المجسمة وأهل الظاهر والباطنية الملاحدة أهل التأويل في الإضرار بالدين. (ش) (*)