شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٨٠
جوهر من معدن بيانه تصدى ذلك المتكلف لإطفائه بظلم الشبهات (١) وتعرض لإخفائه بأدخنة المزخرفات، وتلقى كسره بأحجار التخيلات، كل ذلك لتحصيل ما هو من أعظم مطالبه، وترويج ما هو من أفخم مآربه، وهو ظهور علو منزلته عند العوام ووضح سمو درجته عند اللئام باعتبار إلزامه أو مناظرته ذلك العالم النحرير واتصافه عندهم بكمال العلم وحسن التقرير. (ويظلم من دونه) في العلم والمعرفة. (بالغلبة) أي بغلبته عليه بالباطل الذي اقترفه ذهنه السقيم أو اكتسبه طبعه اللئيم مع عدم قدرة من دونه على إبطاله والتخلص عنه، أو المراد بظلمه له أنه يحقره ويجهله عند الناس ويسفهه في أعينهم وينسبه إلى قلة العلم والفهم والحماقة (٢). وأما القول بأن معناه يظلم من دونه في القدر والاعتبار بسبب الغلبة عليه بالمال والجاه ونحوهما لا بسبب الغلبة في العلم فهو بعيد في ذاته، مع أنه يوجب فوات المناسبة بين هذه الفقرة والفقرة السابقة، إذ الظاهر أن الفوقاني والتحتاني من جنس واحد لا أن أحدهما في العلم والآخر في المال كما ظن، ويؤيد ما قلناه أنه وقع في بعض النسخ " ويلزم " بدل " ويظلم "، لأن المتبادر من الإلزام هو الإلزام بالعلم لا بالمال، والمراد من هذه النسخة أن مقصوده مجرد إلزامه وإظهار جهله وسفاهته وقلة علمه ودرايته لا إظهار الحق. (ويظاهر الظلمة) أي يعينهم على الظلم ويقويهم في أعمالهم وأقوالهم الفاسدة ويمدحهم على عقائدهم وأغراضهم الباطلة، ويجعل ذلك وسيلة للتقرب إليهم، ورفع المنزلة بين يديهم، والتفوق على الناس بسببهم وتحصيل الدنيا بوساطتهم (٣). ١ - المتكلف للعلم ليس مقصوده الأصلي هو العلم، بل هو وسيلة له يتوسل بها إلى الغرض الدنيوي، ولا يحصل له الكمال والفهم والتدبر بقدر من يكون غرضه الأصلي العلم، لأن الأول يقتصر في العلم على مقدار الضرورة ولا يجتهد كما يجتهد الثاني، وغرض الثاني العلم وهو مطلوبه وهمته عليه، فلا جرم يجد المتكلف في مخالفة العلماء والإنكار عليهم كل الجد حتى يخلو له وجه العوام. (ش) ٢ - وليس من شأن العلماء أن يستحقروا من دونهم لأن العالم يعلم أن الناس لا يزالون مختلفين ودرجاتهم لا تكاد تنحصر، وكما يحتاج الناس إلى الكامل في العلوم يحتاجون إلى من هو دونه. (ش) ٣ - هذا من شر صفات المتكلفين الطالبين العلم للدنيا فإنهم إذا رأوا حصول مطلوبهم بمعاونة الظلمة لم يبالوا بها، فإنهم لا يريدون إلا الدنيا، فإذا حصل لهم مقصودهم بالظلمة تقربوا إليهم. ولا يخفى أن غرض الأنبياء والأوصياء لا يجامع أغراض الظلمة، لأنهم (عليهم السلام) بعثوا لتعظيم حقوق الأفراد ومنع الأقوياء عن التعدي ومنع الضعفاء عن الخيانة، والظلمة يدينون بتجويز منع الناس عن حقوقهم، فلا بد للعالم المتصدي لترويج طريق الأنبياء التبرئ عن الظلمة والتظاهر بالمخالفة عليهم حتى يعرفهم الناس بعدم موافقتهم ويعلموا أن طريقة الأنبياء غير طريقتهم. = (*)