شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٧٧
(قالوا: قضيت حاجتك يا روح الله) الظاهر أنه دعاء له بقضاء حاجته والتعبير عنه بالماضي للدلالة على وقوعه ويحتمل أن يكون إخبارا بأنهم قضوا حاجته والإتيان بصيغة المجهول دون قضينا رعاية للأدب وإظهارا لعجزهم وهضما لأنفسهم. (فقام فغسل أقدامهم) وفي بعض النسخ: " فقبل أقدامهم " وإنما استأذنهم في هذا الفعل لأنه لو بادر إليه ابتداء من غير استئذان لربما منعوه تعظيما له، وإنما سماه حاجة لاهتمامه وترقبه في تحصيله ولتوقيره في نفوسهم ولاحتياجه إليه في تعظيمهم وتحصيل الأجر وكسر النفس وإذلالها وإظهار آثار ملكة التواضع وتعليمها، وهذا الفعل أبلغ من التعظيم بالقول: (فقالوا: كنا نحن أحق بهذا يا روح الله !) لأن المريد المسترشد بالخدمة والتعظيم للعالم المرشد أولى من العكس قضاء لحق التعليم والإرشاد وأداء لما يقتضيه الشرف والكمال من التكريم والانقياد والنداء في الموضعين لمجرد التعظيم دون طلب الإقبال، وسمي (عليه السلام) بروح الله لأنه سبحانه خلقه بمجرد الإرادة بدون توسط بشر فقال: (إن أحق الناس بالخدمة العالم) لا غيره لأن منشأ الخدمة والتواضع هو العلم بكثرة منافعهما وصفاء النفس ونورانيتها وتحليها بالفضائل وتخليها عن الرذائل من الكبر والفخر والبغض والحسد وغيرها، وهذا حال العالم بالله وباليوم الآخر (١)، فكل من هو أعلم وأفضل واتصافه بهذه الصفات أتم وأكمل فهو بالتواضع أحرى وأجدر، وإنما أتى بهذا الحكم على وجه يفيد الحصر وصدره بالتأكيد لدفع ما اعتقدوه من أنهم أحق بهذا منه، وقد مر الأمر بتواضع كل من العالم والمتعلم للآخر، وهذا الحديث يفيد أنه في العالم آكد وأولى ثم ذكر (عليه السلام) لهذا التوضاع فائدتين: إحداهما راجعة إليهم والاخرى راجعة إليه، فأشار إلى الفائدة الاولى بقوله: (إنما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم) هذه الفائدة وإن علمت بمجرد فعله (عليه السلام) لكنه صرح بها حرصا على إظهارها ورفعا لاحتمال غفلتهم عنها وتأكيدا في المبالغة على فضيلة التواضع التي يتم بها نظام الدنيا والآخرة " وكي " حرف تعليل تفيد سببية ما قبلها لما بعدها وينتصب المضارع بعدها بنفسها أو على إضمار " أن " على قول، واللام الداخلة عليها زائدة للتأكيد، لأنها بمعناها و " ما " زائدة. (ثم قال عيسى (عليه السلام)) للإشارة إلى الفائدة الثانية. ١ - وأما غيره فيطلب العلم للفخر ويبغض ويحسد ويتكبر ويترأس ويماري ويجادل وغرضه الجاه والمال والعالم بالله واليوم الآخر يعرض عن الدنيا وزخارفها ويتجنب عن الرذائل، لأن جميعها ناشئة عن حب الدنيا. (ش) (*)