شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٨٩
الإرسال والإنزال بكونها في تلك الحالة بيانا للواقع وإظهارا لقدر تلك النعمة، لأن النعمة تتزايد قدرها بحسب تزايد منافعها ولا ريب في أن خلو الزمان عن رسول يستلزم وجود الشرور وفشو الجور والظلم ووقوع الهرج والمرج وتلك أحوال مذمومة توجب تبدد النظام وتغير الأحكام وفساد أخلاق الناس وبعدهم عن الله ولحوق الذم بهم بمقدار ما يلحقهم من المدح في حال الطاعة والانقياد، فمن الله سبحانه عليهم بما ينقذهم من ورطة الردى والهلكات ويرشدهم في تيه العمى والجهالات، وينجيهم من ظلمة الهوى والشهوات، وتلك نعمة لا أعظم منها ولا يعرف أحد قدرها ولا يؤدي أحد شكرها. (وطول هجعة من الامم) الهجعة بفتح الهاء وسكون الجيم طائفة من الليل وأيضا نومة خفيفة من أوله وهي من الهجوع كالجلسة من الجلوس، ففي الكلام على الأول استعارة مصرحة وترشيح بتشبيه بدعة الامم وجهلهم وكفرهم بطائفة من الليل في الظلمة واستعارة الهجعة لها، ونسبة الطول إليها وعلى الثاني كناية عن غفولهم في أمر المبدأ والمعاد وسائر المصالح التي ينبغي لهم ورقودهم في مراقد الطبيعة وذهولهم عما خلقوا لأجله. (وانبساط من الجهل) أي من جهل الامم في مصالح الدنيا والآخرة وشموله لجميعهم إلا ما شذ وجريان أعمالهم وعقائدهم على غير قانون عدلي ونظام شرعي لأنه عند بعثته (صلى الله عليه وآله) لم يكن على = يكون سنتنا هذه في المائة الرابعة عشرة، بل في الثالثة عشرة مثلا، ومع ذلك فيمكن إبداء احتمال الغلط في تاريخهم في الجملة دون تاريخ المسلمين لأن المسلمين كانت لهم دولة وسلطان من مبدأ أمرهم وكان لهم دواوين الخراج وضبط الوقائع وكتب التواريخ وعناية تامة بامورهم بخلاف النصارى فإنهم كانوا في اضطهاد وضيق إلى ثلاثمائة سنة وكان ضبط الوقائع والتواريخ بل الحكومة والسلطان بيد المشركين، وكان تاريخهم تاريخ الاسكندر و " المجسطي " أدق كتاب بقي إلى الآن من المائة الثانية بعد الميلاد لم يذكر فيه شيئا من تاريخ النصارى مع أنه اعتمد على تاريخ الاسكندر وبخت نصر وشهور المصريين فلم تكن العناية بضبط تاريخ المسيحيين شديدة وتواترهم منقطع غير متصل من عهدنا إلى عهد المسيح (عليه السلام)، ولذلك تشكك في قتل المسيح وصلبه (عليه السلام) واختلف فيه أوائلهم وإن اتفق عليه أواخرهم ولو كان تواترهم متصلا لم يصح لنا إنكار صلبه، ولكن ليس لهم يقين بقتله كما قال تعالى: * (وما قتلوه يقينا) * ثم إن ما ذكرنا يقتضي غلطهم في الجملة لا نحو مائة سنة، بل نحو عشر وعشرين مثلا إذ اشتبه علينا تاريخ ولادة الشيخ بهاء الدين أو وفاة المحقق الكركي لم نغلط مائة سنة قطعا، وأما الغلط والاشتباه في الشهور فغير بعيد فقد ورد في كتاب تحف العقول: أن ولادة عيسى (عليه السلام) في النصف من حزيران والنصارى يقولون في الأربعة والعشرين من كانون الأول واشتبه علينا وفاة الصادق (عليه السلام) أنها في رجب أو في شوال والله العالم. (ش) (*)