شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٩
(فقال أبو جعفر (عليه السلام): فهلك إذن مؤمن آل فرعون) لأنه كتم إيمانه بالله وبرسوله من فرعون وأتباعه مدة طويلة خوفا منهم كما قال سبحانة: * (وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله) *، والإيمان من أعظم أبواب العلم واصول العقائد ثم استأنف كلاما لإثبات كتمانه على وجه العموم ردا لما زعمه فقال: (ما زال العلم) أي العلم المتعلق بالامور الدينية، أو العلم المتعلق بالحوادث اليومية، أو العلم المتعلق بالأسرار الإلهية الذي أنزله إلى اولي العزم ولم يأذن لهم إظهاره بين الناس. (مكتوما منذ بعث الله نوحا (عليه السلام)) لعدم مصلحة في إظهاره، أو لعدم استعداد الناس لفهمه، أو لشدة التقية وكثرة العدو وفشو الإنكار والأذى، وقد كتمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أول البعثة حتى كان يعبد الله مختفيا ولا يظهر علمه وحكمته إلا على من أخذ منه موثقا بل في آخر عمره الشريف حتى أخذ من الله تعالى العصمة من الناس، وقد كتمه أمير المؤمنين (عليه السلام) كما قال: " إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلما جما ولو وجدت له حملة "، وقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: " لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها " (١)، وقال أيضا: " لا تعلقوا الجواهر في أعناق الخنازير " (٢)، وقال أيضا: " نحن معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم " (٣)، وقال أيضا: " ما أحد يحدث الناس بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة على بعضهم " (٤)، وقد كان موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قبل البعثة مؤمنا بالله تعالى وبصفاته وباليوم الآخر ولم يظهره على أهل الباطل وكلام المتقدمين من الحكماء في باب التعليم أيضا صريح في الكتمان (٥). وبالجملة الاعتبار ومشاهدة السير والآثار ومطالعة القرآن والأخبار الواردة من طرق العامة والخاصة شواهد صدق على بطلان ما زعمه الحسن وضعف حاله وقلة معرفته وقع فيما وقع لاتكاله ١ - تقدم. ٢ - تقدم. ٣ - تقدم في ص ١٤٠ من هذا المجلد. ٤ - تقدم في ص ١٤٠ من هذا المجلد. ٥ - يدل صريحا على أن جميع ما يتعلق بالدين ليس مما يفهمه جميع الناس بل هنا امور يختص بها جماعة قليلة منهم وعلى العلماء أن يكلموا الناس بقدر ما يفهمون، وهذا رد على ما قد يتبادر إلى الأذهان العامية من أن بعض ما يتكلم به أهل المعرفة مما لا يفهمه غيرهم باطل، لأنهم لا يفهمون إذ لا يعترف أحد بنقصان عقله، وهذا لا يختص بالتوحيد واصول الدين بل يتفق في المسائل الفقهية أيضا، إذ منها ما لا يفهمه العامة ويوجب ضلالهم إلا إذا تكلم معهم على قدر عقولهم، وقد سبق بيان ذلك في الصفحة ١٣٩. (ش) (*)