شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٧١
الفساد في النفوس البشرية أكثر وميلها إلى الراحة وترك الأعمال الصالحة أعظم وأشهر فيحصل لها بغلبة التخويف حالة متوسطة بين الخوف والرجاء. (ولم يرخص لهم في معاصي الله) الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه، وقد رخص له في كذا ترخيصا فترخص هو يعني الفقيه الكامل لا يتساهل ولا يتسامح معهم إذا مالوا إلى معصية الله تعالى بل يشدد عليهم ويمنعهم منها ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويجذبهم عن متابعة الشيطان في المعاصي والمقابح قبل صدورها منهم وقبل صيرورتها ملكات في جوهر النفس إلى تحصيل السعادة الاخروية. (ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره) من الكتب السماوية وغيرها يعني الفقيه الكامل بالأحكام وغيرها من كتاب الله (١)، وإن رجع في شئ من العلوم إلى غيره، فإن وجد موافقا للكتاب أخذه وإن وجده مخالفا له تركه، ولا يترك الكتاب رغبة عنه إلى غيره لعلمه بأنه نور الناظرين وسراج العارفين ومنهاج السالكين ومعراج السائرين ومظاهر علم الأولين والآخرين، فيه علم ما كان وما يكون وعلم الأخلاق وعلم الأحكام من الحلال والحرام وعلم أهوال القيامة والحشر والنشر وعلم الفصاحة والبلاغة بحيث تتروى بزلال معانيه قلوب الفقهاء وتتحير في عجائب مثانيه عقول العلماء وتعجز عن درك غرائب مبانيه أفهام الخطباء وتقر بمشاهدة شواهد مغانيه عيون الفضلاء وتنشرح بتلاوة زواهر آياته صدور القراء والصلحاء، فمن أعرض عنه كان ظالما جاهلا سفيها فضلا عن أن يكون عاقلا كاملا فقيها، فقد أخبر (عليه السلام) بأن الفقيه الكامل من كان بنور عقله هاديا للخلق ناصحا لهم جامعا بين الوعد والوعيد والأمر والنهي وتابعا للقرآن في العلم والعمل والقراءة، ثم أشار إلى أن هذه الصفات لا خير فيها ولا عبرة بها ما لم تقترن بفضيلة قلبية أعني التفهم والتدبر والتفكر بقوله: (ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم) أي طلب فهم حقائقه وأغراضه، فإن من نظر إلى ظاهر هذا العالم مثلا واستدل به على وجود الصانع حصل له علم ظاهري يشاركه فيه سائر العوام، ولا خير فيه كثيرا، وإنما الخير فيما إذا تأمل فيه وفي كل واحد من أجزائه الساكنة والمتحركة والعلوية ١ - من الوساوس الشيطانية ما حدث واشتهر بين الناس في العصور المتأخرة من أن القرآن جميعه متشابه أو أكثره، ولا يفهمه أحد إلا أن يرد في معناه رواية من أهل البيت (عليهم السلام) فتركوا القرآن ولم يرد لأكثر الآيات تفسير صحيح عن أهل البيت (عليهم السلام)، لأن أكثر الآيات لا يحتاج إلى تفسير منصوص، وإذا بنينا على عدم تدبير الآيات إلا بنص لزم ترك القرآن أصلا، وليس من جمع بين القرآن والحديث والكلام من أهل النظر والاجتهاد تاركا للقرآن، بل التارك له المحدثون الذين لا يرون ظاهر القرآن حجة إلا بنص من الروايات. (ش) (*)