شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٢٢
وكذلك ضبطه شارح البخاري. (عن المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): اكتب وبث علمك في إخوانك) يعني اكتب الأحاديث وانشر علمك في إخوانك ليعلموا كما علمت وينشروا في إخوانهم كما نشرت، وهكذا إلى قيام الساعة. وظاهر أن المقصود من الكتابة والنشر هو بقاء الحديث والعمل به، ففيه دلالة على أن خبر الواحد حجة. لا يقال: لعل المقصود أن يصير حجة عند التواتر ؟ لأنا نقول: لا يعد الخبر متواترا إذا كان الناقل الأول واحدا وإن بلغ بعد ذلك حد الاشتهار والتواتر، إذ يشترط في التواتر كثرة الناقل في جميع المراتب (١). نعم يرد: أن هذا إثبات حجية خبر الواحد بخبر الواحد فيلزم الدور. ويمكن دفعه: بأن هذا الخبر مع أمثاله الكثيرة مما دلت على حجيته، إذ لوحظ المجموع من حيث هو دل بالتواتر المعنوي على حجيته. (فإن مت فأورث كتبك بنيك) ليقوموا مقامك في حفظ الكتب وضبط الحديث ونشر العلم ثم علل الأمر بالكتابة والايراث بقوله: (فإنه يأتي على الناس زمان هرج) الهرج بفتح الهاء وسكون الراء الفتنة والاختلاط والقتل، أي يأتي زمان يكثر فيه الفتنة ويضطرب فيه أهل الحق ويختلط الحق والباطل، كل ذلك لارتفاع لواء الظلمة وارتقاء دولتهم وشدة عداوتهم لأهل الحق حتى أنهم يقتلون العالم الرباني أينما وجدوه ومن رجع إليه أينما ثقفوه. (لا يأنسون فيه إلا بكتبهم) لعدم إمكان رجوعهم إلى المعصوم والسماع منه أما لغيبته أو لشدة ١ - والظاهر أن جواب الشارح لا يدفع السؤال، إذ ليس مراد السائل أن ذلك الخبر الواحد بعينه يصير متواترا بكثرة النقل، بل هذا الخبر ينضم إلى أخبار اخر بهذا المضمون ويتكرر الإخبار حتى يحصل التواتر، كما يرى في أخبار نصوص الأئمة (عليهم السلام) على الإمام اللاحق أو نقل معجزات الرسول (صلى الله عليه وآله)، إذ لا ريب أن الرواة نقلوها وكان نقلها واجبا عليهم، لا لأن الخبر الواحد فيها حجة بل لأن نقل واحد منهم ينضم إلى نقل جماعة آخرين يحصل بهم التواتر ولو أمسك الواحد عن نقل نص الإمام الصادق (عليه السلام) على إمامة الكاظم (عليه السلام) مثلا لعذر أنه لا يقبل منه وأمسك الآخر أيضا، وهكذا لم يحصل التواتر أصلا، فالحق أن الروايات الموجبة لكتابة الأخبار وبثها لا يدل على حجية اخبار الآحاد تعبدا إذا لم تنضم إلى قرائن توجب القطع واليقين، ولو كان أمر الإمام (عليه السلام) المفضل بن عمر بالكتابة دالا على قبول المنقول إليهم مطلقا لكان دليلا على قبول جميع روايات المفضل مع أن العلماء مطبقون على ترك رواياته وعلى تضعيفه إلا نادرا، وكذا دل على حجية جميع الكتب ولا يقول به أحد. وأورد العلامة (رحمه الله) في النهاية خمسة عشر دليلا على حجية خبر الواحد ليس فيها هذا الدليل وهو يدل على عدم تماميته وذكرنا شيئا يتعلق بذلك في حواشي الوافي صفحة ٥٥ و ٧٦، ج ١. (ش) (*)