شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٦
والأخلاق والأعمال المرضية وهؤلاء الأشباه لفقد بصائرهم وظلمة ضمائرهم وبعدهم عن التفكر في الامور وإدراك حقائقها وعواقبها ينخدعون بتمويه ذلك الرجل وتلبسه بزي العلماء ويعتقدون أنه عالم، وأما الناس العالمون الآخذون بزمام ملكات العلوم والمعارف فيعلمون لمباشرة مكالمته ومشاهدة مخادعته أول وهلة أنه بعيد عن رتبة الفضيلة والكمالات، مندرج في سلك سائر الحيوانات بل هو أخس منها لإبطاله استعداد قوته الفكرية لكسب العلوم والفضائل باكتساب الملكات الردية والرذائل، وإنما عد هذه التسمية من الصفات الذميمة له مع أنها من فعل أشباه الناس لأنه سبب لهذه التسمية بتشبيه نفسه بالعلماء وظهوره بصورتهم وتكلمه بكلامهم من غير علم فصار فتنة لنفسه ولغيره. (ولم يغن فيه يوما سالما) لم يغن بفتح الياء والنون وسكون الغين المعجمة، أي لم يعش أو لم يقم. وفي النهاية الأثيرية في حديث علي (عليه السلام): " سماه الناس عالما ولم يغن في العلم يوما سالما "، أي لم يلبث في العلم يوما تاما من قولك: غنيت بالمكان إذا أقمت به، انتهى. أقول: هذا كناية عن بعده من العلم على وجه المبالغة، فإن حصول العلم لأمثاله متوقف على تلبث في التحصيل وطول ملازمة للاستاذ وصرف الفكر فيه ليلا ونهارا، وفي كثير من الأزمان والدهور، فإذا انتفت هذه الامور انتفى العلم فكيف إذا التقى التلبث به يوما تاما ؟ (بكر فاستكثر، ما قل منه خير مما كثر) البكرة والبكور الصباح، وبكر وبكر بالتخفيف والتشديد إذا دخل فيه، وكثيرا ما يستعملان في المبادرة والاسراع إلى شئ في أي وقت كان، ومنه بكروا بصلاة المغرب أي صلوها عند سقوط القرص، وابتكر الخطبة أي أدرك أولها، وبكر في الصلاة أي صلاها في أول وقتها، و " ما " موصولة أو موصوفة بمعنى شيئا، وما بعدها صفة لها، و " قل " مبتدأ بتقدير أن، و " خير " خبره مثل " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه "، أو صلة لموصول مقدر، أي فاستكثر ما الذي قل، والمعنى أنه أسرع وبادر في كل صباح أو في أول العمر وابتدأ الطلب إلى جمع شئ فاستكثر شيئا قليل منه خير من كثيره. والمراد بذلك الشئ إما زهرات الدنيا وأسبابها، ويؤيده حصول زيادة الارتباط بما قبله يعني لم يطلب العلم، ولكن طلب أسباب الدنيا التي قليلها خير من كثيرها، هذا إن جمعها على وجه الحلال وإلا فلا خير فيها أصلا. وأما الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة والشبهات التي أخذها من أفواه الرجال أو بالقياس أو بغير ذلك من طرق الجهالات التي قليلها خير من كثيرها، وباطلها أكثر من حقها، ويؤيده حصول زيادة الارتباط بما بعده. وعلى التقديرين فيه تنبيه على غاية بعده عن الحق والعلم لرسوخ الباطل في