شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٢
لم يحكمها ولم يتقنها، وأصله أن الإنسان يمضغ الطعام الذي هو غذاء البدن ثم لا يجيد مضغه لينتفع به البدن انتفاعا تاما فمثل به من لم يحكم ولم يتقن وما يدخل فيه من المعقولات التي هي غذاء الروح لينتفع به الروح انتفاعا كاملا. وحاصل الفقرتين أنه لا يعترف بالجهل ليسلم عن الحكم من غير علم ولا له بضاعة في المعارف ليكون على بصيرة فيها ومحصولهما أنه متلبس بالآفات متعرض للقضاء والفتاوى بالشبهات. (يذري الروايات ذرو الريح الهشيم) ذراه وأذراه ذروا وإذراء إذا طيره وقلبه من حال إلى حال، والهشيم النبت اليابس المنكسر، وفيه تشبيه تمثيلي ووجه التشبيه صدور فعل بلا روية من غير أن يعود إلى الفاعل نفع وفائدة، فإن هذا الرجل المتصفح للروايات ليس له بصيرة بها ولا روية في تصفحها ولا شعور بوجه العمل بها بل هو يمر على رواية بعد اخرى ويمشي عليها من غير فائدة وانتفاع كما أن الريح التي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها ولا يعود إليها من ذلك الفعل نفع (١) وفائدة. فإن قلت: الذرو مصدر يذر ولا يذري وإنما مصدره الإذراء فالصحيح أن يقال: يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، أو يقال: يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم، قال ابن الأثير في حديث علي (رضي الله عنه): يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم أي يسرد الرواية كما تتسف الريح هشيم النبت. قلت: ما في هذا الكتاب أيضا صحيح، فإن الذرو والاذراء لما كانا بمعنى واحد صح ذكر أحدهما = قاطع ولكن يذري الروايات ذرو الريح الهشيم. (ش) ١ - بل يعود منها الضرر، لأن تشخيص الصحيح منها والسقيم وما يعمل به وما لا يعمل ثم مفادها ومعناها، والجمع بين ما ظاهره التناقش مما لا يقدر عليها إلا من له ضرس قاطع ولا يذري الروايات ذرو الريح، إذ يوجب منه طرد روايات صحيحة والعمل بروايات سقيمة وربما يوجب شيوع الضعاف بين الناس وتمكنها في قلوبهم أن يظن أنها من البدن ويصعب الأمر ويضل به الناس ويطعن الزنادقة في الأنبياء والأئمة، لأنهم يرون هذه الأباطيل منسوبة إليهم ولو ادعى أحد أن مروق جماعة من الدين وشك طائفة في صدق النبيين (عليهم السلام) في هذه الأواخر ليس إلا لشيوع الروايات الضعيفة منذ أواخر عهد الصفوية بين الناس لم يكن مجازفا خصوصا بعد ما اشتهر من الإخباريين أن جميع الروايات صادرة عن الأئمة حقيقة وأنه لا يجوز رد شئ منها ولم يكن غرضهم إلا خدمة الدين وتعظيم شأن الحديث إلا أن غلوهم فيه انتج عكس المطلوب، وقد ذكر الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة أنه " لا يجوز لعلماء الدين رد ما ثبت في العلوم التعليمية، فإن من ثبت ذلك عنده ولا يشك فيه بل يخبر بمثل الكسوف والخسوف من قبل مبنيا على كونهما من آثار حركات الكواكب وحيلولة بعضها لبعض إذا قلت له: ليس هذا الذي تعتقده من الدين لم يشك في علمه بل شك في الدين. (ش) (*)