شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٤
(كما سمعته منك فلا يجئ) أي فلا يجئ ذلك الكلام بعينه أفيجوز لي أن أروي معناه بما يجئ من الألفاظ والعبارات ؟ (قال: فتعمد ذلك ؟) تتعمد بالتاءين، وفي بعض النسخ بحذف إحداهما للتخفيف. والتعمد: القصد، يقال: تعمدت الشئ أي قصدته، يعني أفتقصد ذلك الكلام وتريد أن ترويه كيف ما يجئ زائدا على إفادة المعنى المقصود أو ناقصا عنه ؟ (قلت: لا) نفي إرادة هذا الاحتمال لعلمه بأنه لا يجوز نقل معنى الحديث بلفظ لا يفيده أو يفيد الزيادة عليه. (قال: تريد المعاني ؟) أي تريد رواية المعاني ونقلها بألفاظ غير مسموعة وعبارات مفيدة لها من غير زيادة ونقصان فيها ؟ (قلت: نعم، قال: فلا بأس) في نقلها مع محافظتها عن الزيادة والنقصان، ويمكن أن يقال: لما كان قول السائل " فلا يجئ " (١) يحتمل أمرين: ١ - أقوى الأدلة على جواز النقل بالمعنى ما ذكره العلامة (رحمه الله) في النهاية، وهو خامس أدلته من: أنا نعلم قطعا أن الصحابة لم يكتبوا ما نقلوه ولا كرروا عليه بل كلما سمعوا اهملوا إلى وقت الحاجة إليه بعد مدة متباعدة وذلك يوجب القطع بأنهم لم ينقلوا نفس اللفظ بل المعنى، انتهى. وهذا معنى قول داود بن فرقد: " فلا يجئ " أي فلا يمكن لي ضبط الألفاظ بخصوصها، ونظير ذلك ما نرى من نقل العلماء أقوال غيرهم لا بألفاظهم ونقل الناس ما سمعوه من الوعاظ والناطقين ورسالة بعضهم إلى بعض شفاها فيحتج من الروايات بما يمكن ضبطه ونقله، وهو أصل المعنى المعقود له الجملة لا الدقائق التي تستنبط بفكر العلماء ومن خصوصيات الألفاظ، وقد سبق في الصفحة ١٤٦ و ١٤٧ من هذا المجلد حديث محمد بن مسلم برواية ربعي وبرواية حريز، ويحتمل قويا اتحادهما ومعناهما المعقود له الكلام أمر الناس بعدم الاستحياء من التصريح بعدم العلم إذا سألوا عن شئ لا يعلمونه، وهذا المعنى محفوظ في الروايتين وإن اختلفت ألفاظهما ومثله رواية " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " كما مر فإذا بدل " ما لم يفترقا " بقوله: " ما داما في المجلس " فقد حفظ المعنى لكن يدل الافتراق على التباعد ولو خطوة، ولا يدل عليه قوله: ما داما في المجلس إذ يمكن التباعد خطوة مع كونهما في المجلس وحينئذ فنقول: أمثال هذه ليست بحجة إذ كما نعلم يقينا أنهم رووا الأحاديث بالمعنى نعلم أيضا أن الناس لا يقدرون على حفظ هذه الدقائق، بل لا يتفطنون لها حتى يحفظوها، فما هو شائع بين بعض فقهائنا المتأخرين خصوصا بين من تأخر عن الشيخ المحقق الأنصاري (قدس سره) من استنباط الأحكام من هذه الدقائق المستنبطة من ألفاظ الروايات بتدقيقاتهم غير مبتن على أساس متين خصوصا ما يدعونه من الظن الاطمئناني بصدور هذه الروايات وأنها حجة لا تعبدا بآية النبأ وأمثالها، بل لحصول الاطمئنان وأن الاطمئنان علم عرفا. والحق أنهم إن ادعوا حصول الاطمئنان بصدور هذه الألفاظ المروية بخصوصياتها كما يحتجون بها في الفقه فنحن نعلم يقينا عدم صدورها كذلك ولا حفظ خصوصياتها في = (*)