شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٧
يستحقر نفسه بملاحظة عظمة الله وكبريائه ولا ينظر إلى غيره تعالى بل لا يرى لغيره وجودا، فمن رضي بثناء الناس عليه - وعبر عنهم بالجاهل لأن من أثنى على الناس فهو جاهل - لم يتصف بالحكمة ولا يطلق عليه اسم الحكيم، لأن رضاه بذلك بسبب غلبة قوته الشهوية وطغيانها وميلها إلى مشتهياتها وذلك ينافي معنى الحكمة كما عرفت. وأيضا رأى لنفسه وجودا وعظمة وذلك مناف لصفاته اللازمة له، وأيضا الحكيم يعلم بنور حكمته أن ثناء الجاهل لا يزيده كمالا ولا يفيده شرفا وأن الشريف من جعله الله تعالى شريفا، فثناء الجاهل عنده كعدمه فلا يرضى به ولا يفتخر، وأيضا الحكيم يعلم أن بينه وبين الجاهل مباينة وتضادا وأن ضد أحد لا يميل إليه إلا لغرض ما فيعلم أن الجاهل لا يميل إليه ولا يثنيه إلا الاعتقاد أنه جاهل مثله أو لقصد استهزائه وسخريته أو لقصد خداعه، والحكيم لا يرضى بشئ من ذلك وأيضا الحكيم يعلم أن الجاهل لا علم له بمراتب الكمال فهو في المدح له والثناء عليه إما مفرط أو مفرط، والحكيم لكونه على الوسط لا يرضى بثنائه. (الناس أبناء ما يحسنون) أي ما يعلمونه أو يعدونه حسنا، فإن كانوا يعلمون العلم والعمل والآخرة فهم من أبناء الآخرة وإن كانوا يعلمون الدنيا وزهراتها ولا يتجاوز فهمهم إلى ما ورائها فهم من أبناء الدنيا، وهذا من لطائف كلامه وأوجز خطابه (عليه السلام)، وفيه استعارة مكنية وتخييلية. ووجه الاستعارة: أن الابن لما كان من شأنه أن يميل إلى أبيه إما ميلا طبيعيا أو ميلا عرضيا بحسب تصور المنفعة منه وكان الناس منهم من يحسن العلم والعمل والآخرة ويريدها، ومنهم من يحسن الدنيا وزهراتها ويريدها، ويميل كل واحد منهما إلى مراده تحصيلا لما يعتقده خيرا ولذة وسعادة شبه المراد المرغوب إليه بالأب وأثبت له الابن لإفادة تلك المشابهة، ويحتمل أن يكون المراد أن الناس أبناء ما يعلمونه فإن كان لهم علم ومعرفة ودين فلهم الشرف والحسب بهذا النسب الروحاني ولهم الافتخار به وإلا فلا شرف ولا حسب لهم وليس لهم إظهار النسب والافتخار بالنسب الجسداني والقصد فيه أن الشرف منحصر في النسب العلمي والديني ولا عبرة بشرف يدعى من جهة النسب الجسد. (وقدر كل امرئ ما يحسن) أي قدر كل رجل، والعزة والشرف في الدنيا والآخرة ما يعلمه، فإن لم يكن له علم فلا يقدر له، وإن كان له علم فله قدر وشرف بقدر علمه، وما يتبعه من العمل لله والمحبة له والميل إليه والإعراض عن الدنيا، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت درجات العلم والعمل والمحبة، وهذه الكلمة أيضا من جوامع الكلم التي جاءت على أشرف السياقة وألطف البلاغة، ولما أشار إلى أن قدر الرجل وشرفه بالعلم حث على إظهاره بقوله: