شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٥
بالأسرار الإلهية والأحكام الربانية وتنوير القلب الإشراقات اللاهوتية والمكاشفات الملكوتية ثم سلوك طريق العمل بنور الهداية والاجتناب عن سبيل الضلالة والغواية والجاهل بمعزل عن هذا المرام وبعيد عن هذا المقام. وفي كلام الحكماء المتقدمين والمتأخرين أيضا دلالة على أن الشرف والتقدم للعالم. قال إفلاطون: المستحقون للتقديم هم العارفون بالنواميس الإلهية وأصحاب القوى العظيمة الفائقة. وقال أرسطاطاليس: المستحقون للتقديم هم الذين عناية الله بهم أكثر. وقال المحقق الطوسي: كل اثنين بينهما اشتراك في علم واحد وأحدهما أكمل فيه من الآخر فهو رئيس له ومقدم عليه، وينبغي للآخر الإطاعة والانقياد له ليتوجه إلى كمال لائق به، وهكذا يتدرجون إلى أن ينتهوا إلى شخص هو المطاع المطلق، ومقتدى الامم كلهم بالاستحقاق والملك على الإطلاق ولا نعني بالملك في هذا المقام من له خيل وحشم وتصرف في البلاد واستيلاء على العباد بل نعني أنه المستحق للملك في الحقيقة وإن لم يلتفت إليه أحد بحسب الظاهر، وإذا تقدم عليه غيره كان غاصبا جائرا ويوجب ذلك فشو الجور في العالم وفساد نظامه. = قلنا أولا: إن من الموجودات السفلية ما خلق لأجل غيره كالنبات لغذاء الإنسان مثلا، وحينئذ ففائدته انتفاع الإنسان به، ولا ضير في أن يفنى ويبطل لأجل موجود أعلى وأشرف، ولا يلزم من بطلانه وفساده العبث في فعل الحكيم ومن الموجودات ما ليس شئ أعلى وأشرف منه حتى يكون وجوده لأجل ذلك كالإنسان فإنا لا نعلم في هذا العالم شيئا يكون الإنسان لأجله فإن العناصر والمواليد كلها دونه فلا يمكن أن يقال: الإنسان خلق لأن يكشف أسرار النبات والحيوان وخواص المعادن وأعماق البحار وأبعاد الكواكب فإن ذلك يستلزم كون هذه الجمادات أشرف من الإنسان حيث سخر الإنسان لها على ما يذهب إليه الطيبون. ونقول ثانيا: الغرض من إيجاد الإنسان إن كان كشف أسرار الطبيعة لله تعالى والعقول فإنهم عارفون بها قبل الكشف، وإن كان الغرض كشفها للطبيعة نفسها فمعلوم أنها غير شاعرة فبقي أن يكون الغرض كشف أسرارها للإنسان نفسه أما بأن يكشفها السابقون للاحقين فننقل الكلام إلى اللاحقين وإلى نوع الإنسان جميعا، فإن كان في علمهم بأسرار الكائنات فائدة لأنفسهم كانوا هم الغرض والغاية. وبقي الكلام في غاية وجود الإنسان ولا نتعقل إلا العلم بالأسرار الإلهية، وأما سائر صفاته وعلومه ونعوته فهي لحفظه وبقائه فوجود الإنسان بأن يكون غاية لها أولى بالعكس، فالشهوة لبقاء الشخص أو النوع والغضب كذلك والعلوم الطبيعية والصنائع كذلك، ولم يبق شئ إلا معرفة الله تعالى والتقرب إليه لائقا بأن يكون غاية للإنسان ومع ذلك فبعض آيات القرآن الكريم يدل عليه مثل قوله تعالى: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * يعني لو لم يكن غاية وجود الإنسان الرجوع إلى الله كان خلقه عبثا، إذ لا شئ أعلى منه حتى يكون غايته. (ش) (*)