شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٩
لم يكن شيئا مذكورا ولا يرعاه حق رعايته، ولا يتوجه إلى فهم معناه ودرايته، ولا يتأمل في غرضه وغايته، فلا جرم يكون نور بصيرته في إدراك مقاصده كليلا، ولا يجد إلى فهم مطالبه دليلا، ولا إلى التوفيق بينه وبين الحديث سبيلا، فهو متحير في تيه الضلالة، وحائر في سبيل الجهالة، وواله في أودية البطالة، لأنه ترك الأصل وتمسك بالفرع وأفسد الثمرة وتشبث بالشجرة. (فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية) في النهاية: حزنه أمر أي أوقعه في الحزن، يقال: الأول لغة قريش، والثاني لغة تميم، وإنما يحزنهم ذلك لأن نفوسهم كاملة وعقولهم فاضلة وقلوبهم مائلة إلى حضرة القدس وجناب الحق ومنازل القرب فغاية همهم ونهاية قصدهم هو التخلص من العلائق النفسانية والتحلي بالفضائل الروحانية برعاية ما نطقت به الآيات القرآنية والروايات النبوية من الحلال والحرام والقصص والعبر والأخلاق والوعد والوعيد ثم العمل به على وجه يوجب قرب الحق ورضاه ويورث نور القلب وصفاه حتى يستحقون له بذلك كمال القوتين العلمية والعملية ورئاسة الدارين الدنيوية والاخروية، فلا جرم يحزنهم ترك التفكر والعمل والرعاية وعدم العلم والفهم والدراية في الدنيا لعلمهم بما يوجب ذلك الترك من وخامة العاقبة وسوء الخاتمة، وفي الآخرة لمشاهدتهم فوات ما يترتب على الرعاية من الأجر الجميل والثواب الجزيل. (والجهال) كذا في أكثر النسخ المعتبرة، وفي بعضها: " والجهلاء ". (يحزنهم حفظ الرواية) يخزيهم بالخاء والزاي المعجمتين من أخزاه إذا أذله وأهانه، يعني أن حفظ الرواية فقط وترك الرعاية والتفكر والعمل يوجب خزيهم ووبالهم ويورث هوانهم ونكالهم وقت الموت ويوم القيامة لعلمهم حينئذ بأن النافع فيه والسبب للنجاة من شدائده هو رعاية ما في الكتاب والتفكر فيه والعمل بمقتضاه لا مجرد الرواية فيخزيهم حفظ الرواية من أجل أنهم صاروا من أهل الكتاب ورواته ونقلة ألفاظه وعباراته مع ترك رعايته والتفكر فيه والعمل به. وفي بعض النسخ " يحزنهم " بالحاء المهملة والزاي المعجمة (١) والنون، وحزنه أو أحزنه، وفي هذه = الأئمة (عليهم السلام) أيضا مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بالتمسك بالثقلين، وكل واحد منهما حجة لا يجوز ترك أحدهما بالآخر، وهؤلاء يعدون الحديث ناصحا، والقرآن غاشا، فهو مثل الاستحسان يعني عد الشئ حسنا والاستكثار عده كثيرا ومن لا يعمل بالقرآن كأنه يعد مواعظه وأوامره كلام غاش يريد إضلاله، فإذا التفت إلى لفظه قال: إنه محرف وإذا توجه إلى معانيه قال: متشابه أو لعله منسوخ لا نعلمه، وأما الحديث فإن قيل: إنه موضوع أو محرف اللفظ أو منقول بالمعنى أو لعله منسوخ أنكر غاية الانكار. (ش) ١ - نقل العلامة المجلسي (رحمه الله) من مستطرفات السرائر عن كتاب انس العالم للصفواني عن طلحة بن زيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): " رواة الكتاب كثير ورعاته قليل، فكم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب، والعلماء يحزنهم الدراية، والجهال يحزنهم الرواية " انتهى. والظاهر أن الروايتين واحدة وأن = (*)