شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٢
في الشريعة إذ لو فعلتم ذلك تساهلوا في ارتكاب المحظورات وتلاينوا معهم في السكوت عما ترون من المنكرات فإن الانهماك في المباحات ربما يسهل عليكم ارتكاب المحظورات والانس بأهل الطغيان ومشاهدة العصيان ربما يوقعكم في حبائل الشيطان إذ الإنسان إذا توسع في الامور المباحة واستيفائها ربما شارف المكروهات ولحظ أنه لا عقاب في فعلها فقادته شهوته إلى فعلها والتجاوز عن حدودها إلى المحضورات، لأن العقل إذا أطاع النفس الأمارة فيما تأمر به مرة بعد اخرى لم يبق له نفار عما تقوده إليه لوقوع الانس به، وظاهر أن ارتكاب بعض مأموراتها يجر إلى ارتكاب بعض آخر فيؤدي ذلك إلى التجاوز عن حدود الشريعة وعبورها إلى الوقوع في حبائل الشيطان والتهور في المحظورات التي هي مهاوي الهلاك والخسران، ولذلك ورد: " من رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه " وكذلك إذا جالس أهل الشر وتساهل معهم في السكوت عما يراه من منكراتهم يأنس بالمعاصي ويألف بتكرارها، وربما يسوقه إلى فعل المنكر ومشاركته فيه. (ولا تدهنوا في الحق فتخسروا) أي لا تساهلوا فيما ثبت أنه حق، اعتقاديا كان أو عمليا، فعلا كان أو تركا، فتخسروا لذلك بنقصان الإيمان في الدنيا وحرمان الثواب في الآخرة، ثم شرع في ذكر أخبار متضمنة للأوامر والنواهي فقال: (وإن من الحق أن تفقهوا) يعني أن من حق الله تعالى عليكم الذي يجب عدم المساهلة فيه أن تفقوا في الدين، وتطلبوا اصوله وفروعه من أهله، إذ الغرض من إرسال الرسول وتقرير الشرائع حمل الخلق على التعبد والعقائد الصحيحة ولا يتم ذلك إلا بالتفقه وترك المساهلة فيه. (ومن الفقه أن لا تغتروا) بالعلم والعمل ولا تميلوا إلى الباطل، فإن الاغترار بهما من المهلكات، ويحتمل أن يقرأ بالفاء من الفتور فيكون زجرا عن الضعف والانكسار في العمل وحثا على الاجتهاد فيه، وحاصل القضية الاولى الأمر بالتفقه والثانية النهي عن الاغترار والفتور. (وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه) لأن الغرض من النصح جلب الخير والمنفعة إلى المنصوح، ولا ريب في أن أعظمهما هو تحصيل السعادة الباقية واقتناء الكرامات الأبدية والتحرز من العقوبات الاخروية ولا في أن هذه الامور إنما تنال بطاعة الله تعالى، ولا في أن من كانت طاعته له أكثر وأتم كانت سعادته أكمل وأعظم، فلا شبهة في أن أنصح الناس لنفسه من بالغ في طاعة ربه. (وأغشكم لنفسه أعصاكم لربه) وهو ظاهر مما قررناه، فإن الغرض من الغش جلب الشر والضر إلى المغشوش، ولا ريب في أن أعظمهما هو الشقاوة الأبدية، ولا في أن تلك الشقاوة إنما تحصل بمعصية الله تعالى، ولا في أن من كانت معصيته أتم كانت شقاوته أعظم، فلا شبهة في أن أغش الناس