حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٩٧ - خاتمة الرسالة
ذلك، و لا يحتمل المزيد عليه، فلكل عمل رجال، و كل ميسر لما خلق له «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا»[١].
فحثهم على التمسك بهذا الظاهر
فانصرف الى سلامان و اصحابه؛ فاعتذر عما تكلم به معهم، و تبرأ اليهم منه؛ و اعلمهم انه قد رأى مثل رأيهم، و اهتدى بمثل هديهم؛ و اوصاهم بملازمة ما هم عليه من التزام حدود الشرع و الاعمال الظاهرة، و قلة الخوض فيما لا يعنيهم، و الايمان بالمتشابهات و التسليم لها، و الاعراض عن البدع و الأهواء، و الاقتداء بالسلف الصالح، و الترك لمحدثات الامور. و امرهم بمجانبة ما عليه جمهور العوام من اهمال الشريعة و الاقبال على الدنيا، و حذرهم عنه غاية التحذير؛ و علم هو و صاحبه آسال ان هذه الطائفة المريدة القاصرة، لا نجاة لها الا بهذا الطريق؛ و انها ان رفعت عنه الى يفاع الاستبصار اختلّ ما هي عليه، و لم يمكنها ان تلحق بدرجة السعداء، و تذبذبت و انتكست و ساءت عاقبتها. و ان هي دامت على ما هي عليه حتى يوافيها اليقين، فازت بالامن، و كانت من اصحاب اليمين. و اما «السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ»[٢].
فودعاهم و انفصلا عنهم، و تلطفا في العود الى جزيرتهما، حتى يسر اللّه، عز و جل، عليهما العبور اليها. و طلب حي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه اولا، حتى عاد اليه. و اقتدى به آسال حتى قرب منه او كاد. و عبدا اللّه بتلك الجزيرة حتى اتاهما اليقين.
خاتمة الرسالة
هذا- ايدنا اللّه و اياك بروح منه- ما كان من نبأ حي بن يقظان و آسال و سلامان؛ و قد اشتمل على حظ من الكلام لا يوجد في كتاب؛ و لا يسمع في معتاد خطاب، و هو من العلم المكنون الذي لا يقبله الا اهل المعرفة بالله، و لا يجهله الا اهل الغرة بالله. و قد خالفنا فيه طريق السلف الصالح في الضنانة به و الشح عليه. الا ان الذي
[١] - قرآن كريم ٤٨/ ٢٣
[٢] - قرآن كريم ٥٦/ ١٠- ١١