حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٢٨ - التابوت يصل الى جزيرة ليس فيها انسان قط
الرأي الثاني في ولادة حي: حي ولد من اميرة تزوجت سرا بقريب لها اسمه يقظان. اذ ان اخاها الملك منعها الزواج.
و منهم من انكر ذلك، و روى من امره خبرا، نقصه عليك. فقال:
انه كان، بازاء تلك الجزيرة، جزيرة عظيمة، متسعة الاكناف، كثيرة الفوائد، عامرة بالناس، يملكها رجل منهم شديد الانفة و الغيرة. و كانت له اخت ذات جمال و حسن باهر، فعضلها[١] و منعها الازواج اذ لم يجد لها كفوا.
و كان له قريب يسمى يقظان. فتزوجها سرا، على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم. ثم انها حملت منه، فوضعت طفلا.
حي يوضع في تابوت و يلقى في اليم.
فلما خافت ان يفتضح امرها و ينكشف سرها، وضعته في تابوت احكمت زمه، بعد ان اروته من الرضاع. و خرجت به في اول الليل في جملة من خدمها و ثقاتها الى ساحل البحر، و قلبها يحترق صبابة به، و خوفا عليه. ثم انها ودعته و قالت:
«اللهم انك قد خلقت هذا الطفل و لم يكن شيئا مذكورا، و رزقته في ظلمات الاحشاء و تكلفت به حتى تم و استوى. و انا قد سلمته الى لطفك، و رجوت له فضلك، خوفا من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد. فكن له، و لا تسلمه، يا ارحم الراحمين».
ثم قذفت به في اليم. فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته الى ساحل الجزيرة الاخرى المتقدم ذكرها.
التابوت يصل الى جزيرة ليس فيها انسان قط
و كان المد يصل في ذلك الوقت الى موضع لا يصل اليه الا بعد عام. فادخله الماء بقوته الى اجمة ملتفة الشجر، عذبة التربة، مستورة عن الرياح و المطر، محجوبة عن الشمس، تزورّ عنها اذا طلعت، و تميل اذا غربت. ثم اخذ الماء في النقص و الجزر، عن التابوت الذي فيه الطفل، و بقي التابوت في ذلك الموضع، و علت الرمال بهبوب الرياح، و تراكمت بعد ذلك حتى سدت باب الاجمة على التابوت، و ردمت مدخل
[١] - عضلها: منعها الزواج ظلما و عدوانا.