حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٦٢ - النتيجة فما يتعلق بالقدم او الحدوث، لا يرجح قولا على قول
فاعل العالم لا يمكن ان يكون قوة سارية في جسم و الا انقسمت بانقسام الجسم
و لما كانت الاجسام متناهية كانت هذه القوة متناهية ايضا.- و لكن للفلك حركة لا نهاية لها؛ فمحرك العالم ليس بجسم.
و رأى ايضا انه ان اعتقد قدم العالم، و ان العدم لم يسبقه، و انه لم يزل كما هو، فان اللازم عن ذلك ان حركته قديمة، لا نهاية لها من جهة الابتداء، اذ لم يسبقها سكون يكون مبدأها منه. و كل حركة فلا بد لها من محرك ضرورة. و المحرك اما ان يكون قوة سارية في جسم من الاجسام- اما جسم المتحرك نفسه، و اما جسم آخر خارج عنه- و اما ان يكون قوة ليست سارية و لا شائعة في جسم. و كل قوة سارية في جسم و شائعة فيه، فانها تنقسم بانقسامه، و تتضاعف بتضاعفه، مثل الثقل في الحجر مثلا، المحرك له الى اسفل: فانه ان قسم الحجر نصفين، انقسم ثقله نصفين، و ان زيد عليه آخر مثله، زاد في الثقل آخر مثله، فان امكن ان يتزايد الحجر ابدا الى غير نهاية، كان تزايد هذا الثقل الى غير نهاية؛ و ان وصل الحجر الى حد ما من العظم و وقف، وصل الثقل الى ذلك الحد و وقف. لكنه قد تبرهن ان كل جسم لا محالة متناه، فاذن كل قوة في جسم لا محالة متناهية فإن وجدنا قوة تفعل فلا لا نهاية له، فهي قوة ليست في جسم. و قد وجدنا الفلك يتحرك ابدا حركة لا نهاية لها و لا انقطاع، اذ فرضناه قديما لا ابتداء له؛ فالواجب على ذلك ان تكون القوة التي تحركه ليست في جسمه، و لا في جسم خارج عنه. فهي اذن لشيء بريء من الاجسام، و غير موصوف بشيء من اوصاف الجسمية. و قد كان لاح له، في نظره الأول في عالم الكون و الفساد، ان حقيقة وجود كل جسم انما هي من جهة صورته التي هي استعداده لضروب الحركات؛ و ان وجوده الذي له من جهة مادته وجود ضعيف لا يكاد يدرك. فاذن وجود العالم كله انما هو من جهة استعداده لتحريك هذا المحرك البريء عن المادة، و عن صفات الاجسام، المنزه عن ان يدركه حس، او يتطرق اليه خيال- سبحانه- و اذا كان فاعلا لحركات الفلك، على اختلاف انواعها، فعلا لا تفاوت فيه و لا فتور،\* فهو لا محالة قادر عليه و عالم به.
النتيجة: فما يتعلق بالقدم او الحدوث، لا يرجح قولا على قول.
فانتهى نظره بهذا الطريق الى ما انتهى اليه بالطريق الأول، و لم يضره في ذلك تشككه في قدم العالم او حدوثه. و صحّ له على الوجهين جميعا وجود فاعل غير جسم، و لا متصل بجسم، و لا منفصل عنه، و لا داخل فيه، و لا خارج عنه؛ اذ الاتصال، و الانفصال، و الدخول، و الخروج، هي كلها من صفات الاجسام؛ و هو منزه عنها.