حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٤١ - شي الحيوان مبتدئا بالسمك
اندلاع النار في الجزيرة و استخدامه لها
و اتفق في بعض الاحيان ان انقدحت نار في اجمة قلخ[١] على سبيل المحاكّة.
فلما بصر بها رأى منظرا هاله، و خلقا لم يعتده قبل، فوقف يتعجب منها مليا. و ما يزال يدنو منها شيئا فشيئا، فرأى ما للنار من الضوء الثاقب و الفعل الغائب، حتى لا تعلق بشيء الا اتت عليه و احالته الى نفسها. فحمله العجب بها و بما ركب اللّه تعالى في طباعه من الجرأة و القوة على ان يمد يده اليها، و اراد ان يأخذ منها شيئا. فلما باشرها احرقت يده، فلم يستطع القبض عليها، فاهتدى الى ان يأخذ قبسا لم تستولى النار على جميعه. فأخذ بطرفه السليم و النار في طرفه الآخر، فتأتى له ذلك، و حمله الى موضعه الذي كان يأوي اليه. و كان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك.
استخدمها في الاضاءة و التدفئة: النار تطلب العلو دائما فهي- في رأيه- من الجواهر السماوية.
ثم ما زال يمد تلك النار بالحشيش و الحطب الجزل، و يتعهدها ليلا و نهارا استحسانا لها و تعجبا منها. و كان يزيد انسه بها ليلا لانها كانت تقوم له مقام الشمس في الضياء و الدفء. فعظم بها ولوعه، و اعتقد انها افضل الأشياء التي لديه. و كان دائما يراها تتحرك الى جهة فوق، و تطلب العلو. فغلب على ظنه انها من جملة الجواهر السماوية التي كان يشاهدها.
و كان يختبر قوتها في جميع الأشياء بان يلقيها فيها، فيراها مستولية عليها اما بسرعة و اما ببطء، بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه للاحتراق او ضعفه.
شيّ الحيوان: مبتدئا بالسمك.
و كان من جملة ما ألقى فيها، على سبيل الاختبار لقوتها، شيء من اصناف الحيوانات البحرية- كان قد القاه البحر الى ساحله- فلما انضجت ذلك الحيوان و سطع قتاره[٢]، تحركت شهوته اليه. فأكل منه شيئا، فاستطابه. فاعتاد بذلك اكل اللحم. فصرّف الحيلة في صيد البر و البحر، حتى مهر في ذلك.
[١] - قلخ: القصب الاجوف.
[٢] - قتاره: رائحة الشواء.