حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٦٥ - حقيقة ذاته(ذات حي) الروح الذي ادرك بها واجب الوجود
تحوله نحو الصانع.- و اعراضه عن العالم المحسوس.
و قد رسخ في قلبه من امر الفاعل ما شغله عن الفكرة في كل شيء الا فيه. و ذهل عما كان فيه من تصفح الموجودات و البحث عنها، حتى صار بحيث لا يقع بصره على شيء من الأشياء الا و يرى فيه اثر الصنعة من حينه. فينتقل بفكره على الفور الى الصانع، و يترك المصنوع؛ حتى اشتد شوقه اليه و انزعج قلبه بالكلية عن العالم الادنى المحسوس، و تعلق بالعالم الارفع المعقول.
الجزء الخامس: حي يتساءل كيف ادرك هذه الحقائق؟
روحانية النفس:
انتهى الى نتائج غير محسوسة، فلا بد و ان تكون له قوة متميزة عن الجسم: هي الروح، لا تتصف بصفة من صفات الاجسام يردد ابن طفيل براهين ابن سينا الخاصة بروحانية النفس و بخلودها.
فلما حصل له العلم بهذا الموجود الرفيع، الثابت الوجود، الذي لا سبب لوجوده، و هو سبب لوجود جميع الأشياء، اراد ان يعلم بأي شيء حصل له هذا العلم، و بأي قوة ادرك هذا الموجود. فتصفح حواسه كلها، و هي السمع و البصر و الشم و الذوق و اللمس. فرأى انها كلها لا تدرك شيئا الا جسما، او ما هو في جسم. و ذلك ان السمع انما يدرك المسموعات، و هي ما يحدث من تموج الهواء عند تصادم الاجسام.
و البصر انما يدرك الالوان. و الشم يدرك الروائح. و الذوق يدرك الطعوم. و اللمس يدرك الامزجة و الصلابة و اللين و الخشونة و الملاسة. و كذلك القوة الخيالية، لا تدرك شيئا الا ان يكون له طول و عرض و عمق. و هذه المدركات كلها من صفات الاجسام، و ليس لهذه الحواس ادراك شيء سواها. و ذلك لانها قوى شائعة في الاجسام، و منقسمة بانقسامها. فهي لذلك لا تدرك الا جسما منقسما؛ لان هذه القوة اذا كانت شائعة في شيء منقسم، فلا محالة اذا ادركت شيئا من الأشياء فانه ينقسم بانقسامها. فاذن كل قوة في جسم فانها لا محالة لا تدرك الا جسما، او ما هو في جسم.
حقيقة ذاته (ذات حي) الروح الذي ادرك بها واجب الوجود.
و قد تبين ان هذا الموجود الواجب الوجود بريء من صفات الاجسام، من جميع