حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ١٨ - لا تدرك هذه الحال عن طريق المنطق
ثم انه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة». فيصير المخطوف مألوفا، و الوميض شهابا بينا، و تحصل له معارفه مستقرة، كأنها صحبة مستمرة[١] ... «الى ما وصفه من تدريج المراتب، و انتهائها الى النيل بأن يصير سره مرآة مجلوة، يحاذى بها شطر الحق. و حينئذ تدر عليه اللذات العلى، و يفرح بنفسه لما (يرى) بها من اثر الحق، و يكون له من هذه الرتبة نظر الى الحق، و نظر الى نفسه، و هو بعد متردد. ثم انه ليغيب عن نفسه، فيلحظ جناب القدس فقط. و ان لحظ نفسه، فمن حيث هي لاحظة، و هناك يحق الوصول».
لا تدرك هذه الحال عن طريق المنطق
بل هي ذوق و يأتي بمثل من ولد اعمى و استطاع ان يتعرف على كلّ شيء بحيث انه لما فتح بصره لم يجد فرقا بين ما ادرك و ما يشاهده الآن.
فهذه الاحوال التي وصفها انما اراد بها ان تكون له ذوقا، لا على سبيل الادراك النظري المستخرج بالمقاييس و تقديم المقدمات و انتاج النتائج. و ان اردت مثالا يظهر لك به الفرق بين ادراك هذه الطائفة و ادراك سواها، فتخيل حال من خلق مكفوف البصر، الا انه جيد الفطرة، قوي الحدس، ثابت الحفظ، مسدد الخاطر، فنشأ منذ كان في بلدة من البلدان، و ما زال يتعرف اشخاص الناس بها، و كثيرا من انواع الحيوان و الجمادات و سكك المدينة و مسالكها و ديارها و اسواقها، بما له من ضروب الادراكات الأخر، حتى صار يمشي في تلك المدينة بغير دليل، و يعرف كل من يلقاه و يسلم عليه بأول وهلة. و كان يعرف الالوان وحدها بشروح اسمائها، و بعض حدود تدل عليها. ثم انه بعد ان حصل على هذه الرتبة، فتح بصره، و حدثت له الرؤية البصرية، فمشى في تلك المدينة كلها و طاف بها، فلم يجد امرا على اختلاف ما كان يعتقده، و لا انكر من امرها شيئا. و صادف الالوان على نحو صدق الرسوم عنده التي كانت رسمت له بها، غير انه في ذلك كله حدث له امران عظيمان، احدهما تابع للاخر، و هما: زيادة الوضوح، و الانبلاج و اللذة العظيمة.
[١] - هذا كلام ابن سينا، و المتصوفة اجمالا مجمعون على وصولهم الى هذه الحالة، حالة الكشف و الاتصال بالله الذي يطلقون عليه اسم« الحق» اي الموجود الحقيقي، اذ في رأيهم كل موجود آخر سواه ليس له وجود حقيقي بذاته.