حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٥٣ - الامتداد معنى آخر زائد على الجسمية لا يوجد امتداد بدون جسم و لا جسم بدون امتداد
عن معنى الصورة المشتركة له و لسائر الحيوان، و كذلك لكل واحد من انواع النبات مثل ذلك. فتبين له ان الاجسام المحسوسات التي في عالم الكون و الفساد، بعضها تلتئم حقيقته عن معان كثيرة زائدة على معنى الجسمية، و بعضها من معان اقل.
و علم ان معرفة الاقل اسهل من معرفة الأكثر. فطلب اولا الوقوف على حقيقة صورة الشيء الذي تلتئم حقيقته من اقل الأشياء. و رأى ان الحيوان و النبات لا تلتئم حقائقهما الا من معان كثيرة، لتفنن افعالهما، فاخر التفكير في صورهما. و كذلك رأى ان اجزاء الارض، بعضها ابسط من بعض، فقصد منها الى ابسط ما قدر عليه. و كذلك رأى ان الماء شيء قليل التركيب، لقلة ما يصدر عن صورته من الافعال. و كذلك رأى النار و الهواء.
و قد كان سبق الى ظنه اولا ان هذه الأربعة يستحيل بعضها الى بعض، و ان لها شيئا واحدا تشترك فيه، و هو معنى الجسمية، و ان ذلك الشيء ينبغي ان يكون خلوا من المعاني التي تميز بها كل واحد من هذه الأربعة عن الآخر؛ فلا يمكن ان يتحرك الى فوق، و لا الى اسفل، و لا ان يكون حارا، و لا ان يكون رطبا، و لا يابسا، لان كل واحد من هذه الاوصاف لا يعم جميع الاجسام؛ فليست اذن للجسم بما هو جسم. فاذا امكن وجود جسم لا صورة فيه زائدة على الجسمية، فليس تكون فيه صفة من هذه الصفات، و لا يمكن ان تكون فيه صفة الا و هي تعم سائر الاجسام المتصورة بضروب الصور.
الصفة المشتركة لجميع الاجسام: الامتداد يعم الاجسام.
فنظر، هل يجد وصفا واحدا يعم جميع الاجسام، حيها و جامدها؟ فلم يجد شيئا يعم الاجسام كلها الا معنى الامتداد الموجود في جميعها في الاقطار الثلاثة التي يعبر عنها بالطول و العرض و العمق. فعلم ان هذا المعنى هو للجسم من حيث هو جسم.
لكنه لم يتأت له بالحس وجود جسم بهذه الصفة وحدها حتى لا يكون فيه معنى زائد على الامتداد المذكور، و يكون بالجملة خلوا من سائر الصور.
الامتداد معنى آخر زائد على الجسمية. لا يوجد امتداد بدون جسم و لا جسم بدون امتداد.
ثم تفكر في هذا الامتداد الى الاقطار الثلاثة، هل هو معنى الجسم بعينه،