حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٥٤ - لا يفهم الجسم الا مركبا من الجسمية و الامتداد
و ليس ثم معنى آخر، او ليس الامر كذلك؟ فرأى ان وراء هذا الامتداد معنى آخر، هو الذي يوجد فيه هذا الامتداد وحده، لا يمكن ان يقوم بنفسه؛ كما ان ذلك الشيء الممتد لا يمكن ان يقوم بنفسه دون امتداد.
لا يمكن ان يتعرى الجسم عن الامتداد؛ لذلك اعتقد حي ان الامتداد من حقيقة الجسم (قارن بين ذلك و قول ديكارت: الجسم امتداد)
و اعتبر ذلك ببعض هذه الاجسام المحسوسة، ذوات الصور، الطين مثلا. فرأى انه اذا عمل منه شكل ما كالكرة مثلا، كان له طول و عرض و عمق على قدر ما.
ثم ان تلك الكرة بعينها، لو اخذت وردت الى شكل مكعب او بيضي، لتبدل ذلك الطول و ذلك العرض و ذلك العمق، و صارت على قدر آخر، غير الذي كانت عليه.
و الطين واحد بعينه، لم يتبدل، غير انه لا بد له من طول و عرض و عمق، على اي قدر كان، و لا يمكن ان يعرى عنها؛ غير انها لتعاقبها عليه تبين له انها معنى على حياله؛ و لكونه لا يعرى بالجملة عنها تبين له انها من حقيقته.
لا يفهم الجسم الا مركبا من الجسمية و الامتداد
و لكن الامتداد بمثابة الصورة بالنسبة الى الجسم: فالاشياء مكونة من مادة و صورة، و الصورة هي طبيعة الجسم فهي ما يجعل من هذا الكائن كائنا معينا و متميزا عن باقي الكائنات.
فلاح له بهذا الاعتبار ان الجسم، بما هو جسم مركب على الحقيقة من معنيين:
احدهما، يقوم منه مقام الطين للكرة، في هذا المثال؛ و الآخر، يقوم مقام طول الكرة و عرضها و عمقها، او المكعب، او اي شكل كان به؛ و انه لا يفهم الجسم الا مركبا من هذين المعنيين؛ و ان احدهما لا يستغني عن الآخر. لكن الذي يمكن ان يتبدل و يتعاقب على اوجه كثيرة، و هو معنى الامتداد، يشبه الصورة التي لسائر الاجسام ذوات الصور، و الذي يثبت على حال واحدة، و هو الذي ينزل منزلة الطين المتقدم، يشبه معنى الجسمية التي لسائر الاجسام ذوات الصور. و هذا الشيء الذي هو بمنزلة الطين، في هذا المثال، هو الذي يسميه النظّار المادة و الهيولى، و هي عارية عن الصورة جملة.
فلما انتهى نظره الى هذا الحد، و فارق المحسوس بعض مفارقة، و اشرق على تخوم العالم العقلي، استوحش و حنّ الى ما ألفه من عالم الحس. فتقهقر قليلا، و ترك الجسم