حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ١٧ - حكمة الاشراق، تختلف عن المذهب الصوفي القائل بالوصول و الفناء
نقد فلسفة ابن الصائغ (ابن باجه)، متصوف قائل بالفناء حال الوصول و الفناء الصوفي لا يمكن وصفها، و هي هبة من اللّه في رأي المتصوفة.
و انظر الى قول ابي بكر بن الصائغ[١]، المتصل كلامه في صفة الاتصال، فانه يقول: «اذا فهم المعنى المقصود من كتابه ذلك، ظهر عند ذلك انه لا يمكن ان يكون معلوم من العلوم المتعاطاة في رتبة، و حصل متصوره، يفهم ذلك المعنى في رتبة يرى نفسه فيها مباينا لجميع ما تقدم مع اعتقادات أخر ليست هيولانية، و هي اجلّ من ان تنسب الى الحياة الطبيعية، بل هي احوال من احوال السعداء، منزهة عن تركيب الحياة الطبيعية، بل هي احوال من احوال السعداء، خليقة ان يقال لها احوال إلهية يهبها اللّه، سبحانه و تعالى، لمن يشاء من عباده.
و هذه الرتبة التي اشار اليها ابو بكر ينتهى اليها بطريق العلم النظري و البحث الفكري. و لا شك انه بلغها و لم يتخطاها.
حكمة الاشراق، تختلف عن المذهب الصوفي القائل بالوصول و الفناء.
ابن سينا نبه على حال الوصول بقوله ان الصوفي الواصل يرى الحق في كل شيء و يعتبر نفسه مرآة للحق.
و اما الرتبة التي اشرنا اليها نحن اوّلا، فهي غيرها، و ان كانت اياها بمعنى انه لا ينكشف فيها امر على خلاف ما انكشف في هذه، و انما تغايرها بزيادة الوضوح، و مشاهدتها بأمر لا نسميه قوة الاعلى المجاز. اذ لا نجد في الالفاظ الجمهورية[٢]، و لا في الاصطلاحات الخاصة، اسماء تدل على الشيء الذي يشاهد به ذلك النوع من المشاهدة. و هذه الحال التي ذكرناها، و حركنا سؤالك الى ذوق منها، هي من جملة الاحوال التي نبه عليها الشيخ ابو علي، حيث يقول: «ثم اذا بلغت به الارادة و الرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق لذيذة كأنها بروق تومض اليه، ثم تخمد عنه، ثم انه تكثر عليه هذه الغواشي اذا امعن في الارتياض، ثم انه ليوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض. فكلما لمح شيئا عاد منه الى جنات القدس، فيذكر من امره امرا، فيغشاه غاش، فيكاد يرى الحق في كل شيء.
[١] - ابو بكر بن الصائغ هو ابن باجه.
[٢] - الالفاظ الجمهورية هي التي يستعملها الجمهور، عامة الناس، و هم ايضا يعرفون بالخطابيين.