حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٧١ - الروح الحيواني - الساري في جسمه - شديد الشبه بالاجسام السماوية
فيها، و هي شبيهة بالعدم. و الشيء المتقوم بصورة واحدة من الاسطقسات الأربعة، و هي في اول مراتب الوجود، في عالم الكون و الفساد، و منها تتركب الأشياء ذوات الصور الكثيرة. و هذه الاسطقسات ضعيفة الحياة جدا، اذ ليست تتحرك الا حركة واحدة، و انما كانت ضعيفة الحياة لان لكل واحد منها ضدا ظاهر العناد، يخالفه في مقتضى طبيعته، و يطلب ان يغير صورته. فوجوده لذلك غير متمكن، و حياته ضعيفة، فالنبات اقوى حياة منه، و الحيوان اظهر حياة منه.
و ذلك ان ما كان من هذه المركبات تغلب عليه طبيعة اسطقس واحد، فلقوته فيه يغلب طبائع الاسطقسات الباقية، و يبطل قواها. و يصير ذلك المركب في حكم الاسطقس الغالب، فلا يستأهل، لاجل ذلك من الحياة الا شيئا يسيرا، كما ان ذلك الاسطقس لا يستأهل من الحياة الا يسيرا ضعيفا. و ما كان من هذه المركبات لا تغلب عليه طبيعة اسطقس واحد منها، فان الاسطقسات تكون فيه متعادلة متكافئة.
فاذن لا يبطل احدها قوة الآخر بأكثر مما يبطل ذلك الآخر قوته؛ بل يفعل بعضها في بعض فعلا متساويا؛ فلا يكون فعل احد الاسطقسات اظهر فيه؛ و لا يستولي عليه احدها، فيكون بعيد الشبه من كل واحد من الاسطقسات، فكأنه لا مضادة لصورته؛ فيستأهل للحياة بذلك. و متى زاد هذا الاعتدال، و كان اتم و ابعد من الانحراف، كان بعده عن ان يوجد له ضد اكثر، و كانت حياته اكمل.
الروح الحيواني- الساري في جسمه- شديد الشبه بالاجسام السماوية
و لما كان الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، شديد الاعتدال، لانه الطف من الارض و الماء، و اغلظ من النار و الهواء، صار في حكم الوسط، و لم يضاده شيء من الاسطقسات مضادة بينة، فاستعد بذلك لصورة الحيوانية. فرأى ان الواجب على ذلك ان يكون اعدل ما في هذه الارواح الحيوانية مستعدا لاتم ما يكون من الحياة في عالم الكون و الفساد؛ و ان يكون ذلك الروح قريبا من ان يقال انه لا ضد لصورته؛ فيشبه لذلك هذه الاجسام السماوية التي لا ضد لصورها. و يكون روح ذلك الحيوان و كأنه وسط بالحقيقة، بين الاسطقسات التي لا تتحرك الى جهة العلو على الاطلاق، و لا الى جهة السفل؛ بل لو امكن ان يجعل في وسط المسافة التي بين المركز و اعلى ما تنتهي اليه النار في جهة العلو، و لم يطرأ عليه فساد، لثبت هناك، و لم يطلب الصعود و لا النزول. و لو تحرك في المكان لتحرك حول الوسط، كما