حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٤٢ - الرغبة في معرفة اعضاء الحيوان
هل الشيء الذي فارق التجويف الايسر من قلب الظبية هو من طبيعة النار؟
و زادت محبته للنار اذ تأتى له بها من وجود الاغتذاء الطيّب شيء لم يتأت له قبل ذلك. فلما اشتد شغفه بها لما رأى من حسن آثارها و قوة اقتدارها، وقع في نفسه ان الشيء الذي ارتحل من قلب امه الظبية، التي انشأته، كان من جوهر هذا الموجود، او من شيء يجانسه. و اكد ذلك في ظنه ما كان يراه من حرارة الحيوان طول مدة حياته، و برودته من بعد موته. و كل هذا دائم لا يختل، و ما كان يجده في نفسه. من شدة الحرارة عند صدره بازاء الموضع الذي كان قد شق عليه من الظبية، فوقع في نفسه انه لو اخذ حيوانا حيا و شق قلبه و نظر الى ذلك التجويف الذي صادفه خاليا عند ما شق عليه في امه الظبية، لرآه في هذا الحيوان الحي و هو مملوء بذلك الشيء الساكن فيه، و تحقق هل هو من جوهر النار؟ و هل فيه شيء من الضوء و الحرارة ام لا؟
القيام بتجربة للتأكد من ذلك
فعمد الى بعض الوحوش، و استوثق منه كتافا، و شقه على الصفة التي شق بها الظبية، حتى وصل الى القلب. فقصد اولا الى الجهة اليسرى منه، و شقها. فرأى ذلك الفراغ مملوءا بهواء بخاري يشبه الضباب الابيض. فأدخل اصبعه فيه، فوجده من الحرارة في حد كاد يحرقه. و مات ذلك الحيوان على الفور.
اول استنتاج عن طبيعة الحياة
فصحّ عنده ان ذلك البخار الحار هو الذي كان يحرك هذا الحيوان، و ان في كل شخص من اشخاص الحيوانات مثل ذلك، و متى انفصل عن الحيوان مات.
الرغبة في معرفة اعضاء الحيوان
ثم تحركت في نفسه الشهوة للبحث عن سائر اعضاء الحيوان و ترتيبها و اوضاعها