حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٦٤ - و كان ذلك و له ٣٥ عاما
من صفات فاعل العالم: أنه فاعل مختار.
ثم تأمل في جميع اصناف الحيوان كيف «أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدى»[١] لاستعماله. فلولا انه هداه لاستعمال تلك الاعضاء التي خلقت له في وجوه المنافع المقصودة بها، لما انتفع بها الحيوان، و كانت كلّا عليه. فعلم بذلك انه اكرم الكرماء و ارحم الرحماء.
لا نسبة بين صفاته و صفات الكائنات في هذا العالم.
ثم انه مهما نظر شيئا من الموجودات له حسن، او بهاء، او كمال، او قوة، او فضيلة من الفضائل- اي فضيلة كانت- تفكر و علم انها من فيض ذلك الفاعل المختار- جل جلاله- و من جوده، و من فعله. فعلم ان الذي هو في ذاته اعظم منها و اكمل، و اتم و احسن، و ابهى و اجمل و أدوم. و انه لا نسبة لهذه الى تلك. فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها له و صادرة عنه، و يرى انه احق بها من كل ما يوصف بها دونه.
و تتبع صفات النقص كلها، فرآه بريئا منها، و منزها عنها، و كيف لا يكون بريئا منها و ليس معنى النقص الا العدم المحض، او ما يتعلق بالعدم؛ و كيف يكون العدم تعلق او تلمس بمن هو الموجود المحض الواجب الوجود بذاته، المعطي لكل ذي وجود وجوده.
فلا وجود الا هو: فهو الوجود، و هو الكمال، و هو التمام، و هو الحسن، و هو البهاء، و هو القدرة، و هو العلم، و هو هو، و «كل شيء هالك الا وجهه»[٢].
و كان ذلك و له ٣٥ عاما
فانتهت به المعرفة الى هذا الحد على رأس خمسة اسابيع من منشئه، و ذلك خمسة و ثلاثون عاما.
[١] - قرآن كريم سورة طه آية ٥٠
[٢] - قرآن كريم سورة القصص الآية ٨٨ ملاحظة: رد ابن طفيل الصفات الى الذات، و هنا يتفق مع المعتزلة.