حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٤٦ - الروح واحد، و الاختلاف ناتج من الاجسام، فاذا ارتفعت الاجسام اتحدت جميع الارواح و اصبحت روحا واحدا
الأشياء تختلف بصفات و تشترك بصفات.
و انعم النظر في ذلك، و تثبت. فرأى انها تتفق ببعض الصفات، و تختلف ببعض، و انها من الجهة التي تتفق بها واحدة، و من الجهة التي تختلف فيها متغايرة و متكثرة. فكان تارة ينظر خصائص الأشياء و ما ينفرد به بعضها عن بعض، فتكثر عنده كثرة تخرج عن الحصر، و ينتشر له الوجود انتشارا لا يضبط.
لا حظ حي ايضا ان ذاته مع كثرة الاعضاء و وظائفها هي واحدة: الروح الحيواني واحد و لكن فعله يختلف باختلاف الاعضاء.
و كانت تتكثر عنده ايضا ذاته، لانه كان ينظر الى اختلاف اعضائه، و ان كل واحد منها منفرد بفعل و صفة تخصه. و كان ينظر الى كل عضو منها، فيرى انه يحتمل القسمة الى اجزاء كثيرة جدا، فيحكم على ذاته بالكثرة، و كذلك على ذات كل شيء. ثم كان يرجع الى نظر آخر من طريق ثان، فيرى ان اعضاءه، و ان كانت كثيرة، فهي متصلة كلها بعضها ببعض، لا انفصال بينها بوجه، فهي في حكم الواحد، و انها لا تختلف الا بحسب اختلاف افعالها، و ان ذلك الاختلاف انما هو بسبب ما يصل اليها من قوة الروح الحيواني، الذي انتهى اليه نظره اولا، و ان ذلك الروح واحد في ذاته، و هو ايضا حقيقة الذات، و سائر الاعضاء كلها كالآلات.
فكانت تتحد عنده ذاته بهذا الطريق.
في النوع الواحد توجد اشخاص عديدة.
ثم كان ينتقل الى جميع انواع الحيوان، فيرى كل شخص منها واحدا بهذا النوع من النظر. ثم كان ينظر الى نوع منها كالظباء، و الخيل، و الحمر، و اصناف الطير صنفا صنفا،، فكان يرى اشخاص كل نوع يشبه بعضه بعضا في الاعضاء الظاهرة و الباطنة، و الادراكات، و الحركات، و المنازع. و لا يرى بينها اختلافا الا في اشياء يسيرة بالاضافة الى ما اتفقت فيه.
الروح واحد، و الاختلاف ناتج من الاجسام، فاذا ارتفعت الاجسام اتحدت جميع الارواح و اصبحت روحا واحدا.
و كان يحكم بان الروح الذي لجميع ذلك النوع شيء واحد، و انه لم يختلف