حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٩٥ - و ذلك لنقص فطرتهم
من امر اللّه، عز و جل، ان سفينة في البحر ضلّت مسلكها، و دفعتها الرياح و تلاطم الامواج الى ساحلها. فلما قربت من البر، رأى اهلها الرجلين على الشاطئ. فدنوا منهما. فكلمهم آسال، و سألهم ان يحملوهما معهم. فأجابوهما الى ذلك، و ادخلوهما السفينة. فارسل اللّه اليهم ريحا رخاء حملت السفينة، في اقرب مدة، الى جزيرة التي املاها.
فنزلا بها، و دخلا مدينتها، و اجتمع اصحاب آسال به؛ فعرفهم شأن حي بن يقظان. فاشتملوا عليه اشتمالا شديدا، و اكبروا امره، و اجتمعوا اليه و اعظموه و بجلوه.
و اعلمه آسال ان تلك الطائفة هم اقرب الى الفهم و الذكاء من جميع الناس، و انه ان عجز عن تعليمهم فهو عن تعليم الجمهور اعجز.
اصحاب الظاهر لم يفهموا حيا
و كان رأس تلك الجزيرة و كبيرها سلامان، و هو صاحب آسال الذي كان يرى ملازمة الجماعة، و يقول بتحريم العزلة. فشرع حي بن يقظان في تعليمهم، و بث أسرار الحكمة اليهم. فما هو الا ان ترقى عن الظاهر قليلا، و اخذ في وصف ما سبق الى فهمهم خلافه، فجعلوا ينقبضون منه، و تشمئز نفوسهم مما يأتي به؛ و يتسخطونه في قلوبهم، و ان اظهروا له الرضى في وجهه، اكراما لغربته فيهم، و مراعاة لحق صاحبهم آسال.
و ذلك لنقص فطرتهم
و ما زال حي بن يقظان يستلطفهم ليلا و نهارا، و يبين لهم الحق سرا و جهارا؛ فلا يزيدهم ذلك الا نبوا و نفارا، مع انهم كانوا محبين للخير، راغبين في الحق. الا انهم لنقص فطرتهم، كانوا لا يطلبون الحق من طريقه، و لا يأخذونه بجهة تحقيقه، و لا يلتمسونه من بابه؛ بل كانوا لا يريدون معرفته من طريق اربابه. فيئس من اصلاحهم و انقطع رجاؤه من صلاحهم لقلة قبولهم.
و تصفح طبقات الناس بعد ذلك: فرأى كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[١]، قد
[١] - قرآن كريم ٢٣/ ٥٥ و ٣٠/ ٣١