حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٧٠ - العقول المفارقة في الكواكب و الافلاك، تدرك واجب الوجود، و تشاهده على الدوام؛(مثل ما قال الفارابي في العقول المفارقة - عقول الافلاك)
العقول المفارقة في الكواكب و الافلاك، تدرك واجب الوجود، و تشاهده على الدوام؛ (مثل ما قال الفارابي في العقول المفارقة- عقول الافلاك).
ثم انه بعد ذلك نظر الى الكواكب و الافلاك، فرآها كلها منتظمة الحركات، جارية على نسق؛ و رآها شفافة و مضيئة، بعيدة عن قبول التغير و الفساد. فحدس حدسا قويا ان لها ذوات سوى اجسامها تعرف ذلك الموجود الواجب الوجود؛ و ان تلك الذوات العارفة ليست باجسام، و لا منطبعة في اجسام، مثل ذاته هو، العارفة. و كيف لا يكون لها مثل تلك الذوات البريئة عن الجسمانية و يكون لمثله هو على ما به من الضعف و شدة الاحتياج الى الامور المحسوسة، و انه من جملة الاجسام الفاسدة؟ و مع ما به من النقص فلم يقعه ذلك عن ان تكون ذاته شيئا بريئا عن الاجسام، لا تفسد.
فتبين له بذلك ان الاجسام السماوية اولى بذلك. و علم انها تعرف ذلك الموجود الواجب الوجود، و تشاهده على الدوام بالفعل؛ لان العوائق التي قطعت به هو عن دوام المشاهدة من العوارض المحسوسة، لا يوجد مثلها للاجسام السماوية.
ثم انه تفكر: لم اختص هو من بين سائر انواع الحيوان- بهذه الذات التي اشبه بها الاجسام السماوية، و قد كان تبين له اولا من امر العناصر، و استحالة بعضها الى بعض، و ان جميع ما على وجه الارض، لا يبقى على صورته؛ بل الكون و الفساد متعاقبان عليه ابدا، و ان اكثر هذه الاجسام مختلطة، مركبة من اشياء مضادة، و لذلك تؤول الى الفساد، و انه لا يوجد منها شيء صرفا، و ما كان منها قريبا من ان يكون صرفا خالصا، لا شائبة فيه، فهو بعيد عن الفساد جدا، مثل جسد الذهب و الياقوت؛ و ان الاجسام السماوية بسيطة صرفة، و لذلك هي بعيدة عن الفساد، و الصور لا تتعاقب عليها.
و تبين له هنالك ان جميع الاجسام التي في عالم الكون و الفساد منها ما تقوم حقيقتها بصورة واحدة زائدة على معنى الجسمية، و هذه هي الاسطقسات[١] الأربعة و منها ما تتقوم حقيقتها بأكثر من ذلك، كالحيوان و النبات. فما كان قوام حقيقته بصور اقل كانت افعاله اقل، و بعده عن الحياة اكثر. فان عدم الصورة جملة لم يكن فيه الى الحياة طريق، و صار في حال شبيهة بالعدم. و ما كان من قوام حقيقته بصور اكثر كانت افعاله اكثر، و دخوله في حال الحياة ابلغ؛ و ان كانت تلك الصور بحيث لا سبيل الى مفارقتها لمادتها التي اختصت بها، كانت الحياة حينئذ في غاية الظهور و الدوام و القوة. فالشيء العديم الصورة جملة هو الهيولى، و المادة؛ و لا شيء من الحياة
[١] - الاسطقسات، جمع اسطقس، لفظ يوناني بمعنى العنصر. و العناصر الأربعة هي: النار، الهواء، الماء، التراب.