حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٩٦ - فهم حي ان ظاهر الشرع جعل لمثل هؤلاء القوم و هم الاكثرية الساحقة
اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ[١]، و معبودهم شهواتهم، و تهالكوا في جمع حطام الدنيا، أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ[٢]، لا تنجع فيهم الموعظة، و لا تعمل فيهم الكلمة الحسنة.
و لا يزدادون بالجدل الا اصرارا. و اما الحكمة فلا سبيل لهم اليها، و لا حظ لهم منها؛ قد غمرتهم الجهالة، و رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ[٣] «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ[٤]».
فلما رأى سرادق العذاب قد احاط بهم، و ظلمات الحجب قد تغشتهم، و الكل منهم- الا اليسير- لا يتمسكون من ملتهم الا بالدنيا؛ «و قد نبذوا اعمالهم على خفتها و سهولتها وراء ظهورهم، و اشتروا بها ثمنا قليلا[٥]، و ألهاهم عن ذكر اللّه تعالى التجارة و البيع، و لم يخافوا يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ[٦]، بان له، و تحقق على القطع، ان مخاطبتهم بطريق المكاشفة لا تمكن؛ و ان تكليفهم من العمل فوق هذا القدر لا يتفق، و ان حظ اكثر الجمهور من الانتفاع بالشريعة انما هو في حياتهم الدنيا، ليستقيم له معاشه، و لا يتعدى عليه سواه فيما اختص هو به، و انه لا يفوز منهم بالسعادة الاخروية الا الشاذ النادر؛ و هو «من اراد حرث الآخرة و سعى لها سعيها و هو مؤمن»[٧] فَأَمَّا مَنْ طَغى وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى[٨]. و اي تعب اعظم و شقاوة اطم، ممن اذا تصفحت اعماله من وقت انتباهه من نومه الى حين رجوعه الى الكرى، لا تجد منها شيئا الا و هو يلتمس به تحصيل غاية من هذه الامور المحسوسة الخسيسة: اما مال يجمعه او لذة ينالها، او شهوة يقضيها، او غيظ يتشفى به، او جاه يحرزه، او عمل من اعمال الشرع يتزين به، او يدافع عن رقبته، و هي كلها «ظلمات بعضها فوق بعض» فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ[٩]، «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا»[١٠].
فهم حي ان ظاهر الشرع جعل لمثل هؤلاء القوم و هم الاكثرية الساحقة
فلما فهم أحوال الناس، و ان أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق، علم ان الحكمة كلها، و الهداية و التوفيق فيما نطقت به الرسل، و وردت به الشريعة، لا يمكن غير
[١] - قرآن كريم ٢٥/ ٤٥
[٢] - قرآن كريم ١٠٢/ ١ و ٢
[٣] - قرآن كريم ٨٣/ ١٤
[٤] - قرآن كريم ٢/ ٦
[٥] - قرآن كريم ٣/ ١٨٤
[٦] - قرآن كريم ٢٤/ ٣٧
[٧] - قرآن كريم ٢٧/ ٢٠
[٨] - قرآن كريم ٧٩/ ٣٧- ٣٩
[٩] - قرآن كريم ٢٤/ ٤٠
[١٠] - قرآن كريم ١٩/ ٧٢