حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٨٧ - اصبح من السهل على حي مشاهدة العالم الروحاني
الدوام، و يمدها بالبقاء و التسرمد، و لا حاجة بها، بل الاجسام محتاجة اليها. و لو جاز عدمها، لعدمت الاجسام، فانها هي مباديها، كما انه لو جاز ان تعدم ذات الواحد الحق- تعالى و تقدس عن ذلك، لا إله إلا هو- لعدمت هذه الذوات كلها، و لعدمت الاجسام، و لعدم العالم الحسي بأسره، و لم يبق موجود، اذ الكل مرتبط بعضه ببعض. و العالم المحسوس، و ان كان تابعا للعالم الالهي، شبيه الظل له؛ و العالم الالهي مستغن عنه و بريء منه، فانه مع ذلك يستحيل فرض عدمه، اذ هو لا محالة تابع للعالم الالهي. و انما فساده ان يبدل، لا ان يعدم بالجملة. و بذلك نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى في تغير الجبال و تصييرها كالعهن[١]، و الناس كالفراش، و تكوير الشمس و القمر، و تفجير البحار «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ».
فهذا القدر هو الذي امكنني الآن ان أشير اليك به فيما شاهده «حي بن يقظان» في ذلك المقام الكريم؛ فلا تلتمس الزيادة عليه من جهة الالفاظ، فان ذلك كالمتعذر.
و أما تمام خبره، فسأتلوه عليك ان شاء اللّه تعالى، و هو انه لما عاد الى العالم المحسوس، و ذلك بعد جولانه حيث جال، سئم تكاليف الحياة الدنيا، و اشتد شوقه الى الحياة القصوى، فجعل يطلب العود الى ذلك المقام بالنحو الذي طلبه اولا، حتى وصل اليه بأيسر من السعي الذي وصل به اولا؛ و دام فيه ثانيا مدة اطول من الاولى.
ثم عاد الى عالم الحس. ثم تكلف الوصول الى مقامه بعد ذلك؛ فكان ايسر عليه من الاولى و الثانية، و كان دوامه اطول.
اصبح من السهل على حي مشاهدة العالم الروحاني
و ما زال الوصول الى ذلك المقام الكريم يزيد عليه سهولة، و الدوام يزيد فيه طولا بعد مدة، حتى صار بحيث يصل اليه متى شاء، و لا ينفصل عنه الا متى شاء.
فكان يلازم مقامه ذلك، و لا ينثني عنه الا لضرورة بدنه التي كان قد قللها، حتى كان لا يوجد اقل منها.
[١] - العهن: الصوف.