حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٥٦ - السماء اجسام متناهية، كروية يستحيل ان يكون جسم لا نهاية له
اليها. و هذا المعنى الذي لاح له، هو قول رسول اللّه (صلعم): «كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به[١]»، و في محكم التنزيل: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وَ لكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ، وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى»[٢].
اشتياقه الى العلة الاولى و السعي الى معرفتها.
فلما لاح له من امر هذا الفاعل ما لاح على الاجمال دون تفصيل، حدث له شوق حثيث الى معرفته على التفصيل، و هو بعد لم يكن فارق عالم الحس. فجعل يطلب هذا الفاعل المختار على جهة المحسوسات، و هو لا يعلم بعد هل هو واحد او كثير.
جميع الاجسام قابلة للكون و الفساد.
فتصفح جميع الاجسام التي لديه، و هي التي كانت فكرته ابدا فيها، فرآها كلها تتكون تارة، و تفسد اخرى. و ما لم يقف على فساد جملته، وقف على فساد اجزائه مثل الماء، و الارض، فانه رأى اجزاءهما تفسد بالنار، و كذلك الهواء رآه يفسد بشدة البرد حتى يتكون منه ثلج، فيسيل ماء؛ و كذلك سائر الاجسام التي كانت لديه، لم ير منها شيئا بريئا عن الحدوث و الافتقار الى الفاعل المختار. فاطرحها كلها، و انتقلت فكرته الى الاجسام السماوية.
و انتهى الى هذا النظر على رأس اربعة اسابيع من منشئه، و ذلك ثمانية و عشرون عاما.
الجزء الرابع: حي يرتقي من تفكيره في عالم الكون و الفساد الى التأمل في السماء و العالم بأسره
السماء اجسام متناهية، كروية. يستحيل ان يكون جسم لا نهاية له.
فعلم ان السماء و ما فيها من الكواكب، اجسام، لانها ممتدة في الاقطار الثلاثة:
[١] - قطعة من حديث قال فيه الحافظ بن رجب:« هذا الحديث تفرد باخراجه البخاري دون بقية اصحاب الكتب».
[٢] - قرآن كريم سورة الانفال الآية ١٧.