حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٥٧ - السماء اجسام متناهية، كروية يستحيل ان يكون جسم لا نهاية له
الطول، و العرض، و العمق، لا ينفك شيء منها عن هذه الصفة، و كل ما لا ينفك عن هذه الصفة، فهو جسم. فهي اذن كلها اجسام. ثم تفكر هل هي ممتدة الى غير نهاية، و ذاهبة ابدا الى الطول و العرض و العمق الى غير نهاية؟ او هي متناهية محدودة بحدود تنقطع عندها، و لا يمكن ان يكون وراءها شيء من الامتداد؟ فتحير في ذلك بعض حيرة. ثم انه بقوة نظره، و ذكاء خاطره، رأى ان جسما لا نهاية له امر باطل، و شيء لا يمكن، و معنى لا يعقل. و تقوى هذا الحكم عنده بحجج كثيرة، سنحت له بينه و بين نفسه، و ذلك انه قال: اما هذا الجسم السماوي فهو متناه من الجهة التي تليني و الناحية التي وقع عليها حسي، فهذا لا اشك فيه، لانني ادركه ببصري. و اما الجهة التي تقابل هذه الجهة[١]، و هي التي يداخلني فيها الشك، فاني ايضا اعلم انه من المحال ان تمتد الى غير نهاية، لاني ان تخيلت ان خطين اثنين
[١] - انظر الرسم الموضح لهذه الحجة: لما كان الفلك محدودا من طرف، و لما كان الفلك جسما، و كل جسم محدود في الطول و العرض و العمق، استنتج حي ان جميع الافلاك محدودة ايضا من الطرف الآخر.
الافتراض:
اذا افترضنا الخطين و ب لا متناهيين و هما يبدءان من جسم الكوكب المشاهد.
اذا قطع من الخط ب جزء و هو ب ج و اطبق الباقي ح على الخط الأول.
اما ان يكون ج لا متناهيا مثل( الذي افترضناه لا متناهيا).
و في هذه الحالة يكون الخط الذي قطع منه جزء( اي ب ج) و الباقي ج لا متناهيا، مثل الخط الأول الذي لم يقطع منه شيء و الذي افترضناه لا متناهيا.
و هذا يستحيل: اذ يكون الجزء مثل الكل.
و اما ان لا يمتد ح( و هو الخط الناقص) الى ما لا نهاية، فيكون متناهيا.
و في هذه الحالة اذا رد اليه الجزء الذي قطع منه، اعني ب ج و هو جزء متناه، فيكون الجملة ب ح+ ح متناهيا. و حينئذ يكون ايضا متناهيا اذ افترضناه مساويا الى ب.
ملاحظة: هذا البرهان الذي اتى به ابن طفيل قريب من البرهان الذي ذكره الكندي في« ايضاح تناهي جوهر العالم»( انظر رسائل الكندي الفلسفية ص ١٨٥ و ما يليها) نشرها ابو ربدة، القاهرة ١٩٥٠.