حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٤٤ - حي يهتدي الى البناء
و الروح الحيواني منبث في مختلف اجزاء الجسم
و اذا فارق عضوا اصبح هذا العضو عاطلا؛ و اذا فارق كل الجسم اصبح الجسم كله عاطلا.
و لكل واحد من هذه اعضاء تخدمه، و لا يتم لشيء من هذه فعل الا بما يصل اليها من ذلك الروح على الطرق التي تسمى عصبا. و متى انقطعت تلك الطرق او انسدت تعطل فعل ذلك العضو. و هذه الاعصاب انما تستمد الروح من بطون الدماغ، و الدماغ يستمد الروح من القلب. و الدماغ فيه ارواح كثيرة، لانه موضع تتوزع فيه اقسام كثيرة. فاي عضو عدم هذا الروح بسبب من الاسباب تعطل فعله، و صار بمنزلة الآلة المطرحة، التي لا يصرفها الفاعل و لا ينتفع بها. فان خرج هذا الروح بجملته عن الجسد او فني، او تحلل بوجه من الوجوه، تعطل الجسد كله، و صار الى حالة الموت.
فانتهى به هذا النحو من النظر الى هذا الحد من النظر على رأس ثلاثة اسابيع من منشئه. و ذلك احد و عشرون عاما.
حي يرتدي جلود الحيوانات و يوصلها بعضها ببعض بالخيوط.
و في خلال هذه المدة المذكورة تفنن في وجود حيلة، و اكتسى بجلود الحيوانات التي كان يشرحها، و احتذى بها، و اتخذ الخيوط من الاشعار و لحا قصب الختمية، و الخبّازى، و القنّب، و كل نبات ذي خيط.
حي يهتدي الى البناء.
و كان اصل اهتدائه الى ذلك انه اخذ من الخلفاء و عمل خطاطيف من الشوك القوي و القصب المحدد على الحجارة، و اهتدى الى البناء بما رأى من فعل الخطاطيف.
فاتخذ مخزنا و بيتا لفضلة غذائه، و حصن عليه بباب من القصب المربوط بعضه الى بعض، لئلا يصل شيء من الحيوانات عند مغيبه عن تلك الجهة في بعض شؤونه.