حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٣٨ - تجويفان في القلب دم منعقد في التجويف الايمن - و التجويف الايسر فارغ
جهة واحدة، و كان قد اعتقد ان ذلك العضو لا يكون الا في الوسط، في عرض البدن، كما هو في الوسط في طوله. فما زال يفتش في وسط الصدر حتى ألفى القلب و هو مجلل بغشاء في غاية القوة، مربوط بمعاليق في غاية الوثاقة، و الرئة مطيفة به من الجهة التي بدأ بالشق منها. فقال في نفسه: «ان كان لهذا العضو من الجهة الاخرى مثل ما له من هذه الجهة، فهو في حقيقة الوسط، و لا محالة انه مطلوبي، لا سيما مع ما ارى له من حسن الوضع و جمال الشكل و قلة التشتت و قوة اللحم، و انه محجوب بمثل هذا الحجاب الذي لم ار مثله لشيء من الاعضاء».
فبحث عن الجانب الآخر من الصدر، فوجد فيه الحجاب المستبطن للاضلاع.
و وجد الرئة على ما وجده من هذه الجهة. فحكم بان ذلك العضو هو مطلوبه.
فحاول هتك حجابه و شق شغافه، فبكد و استكراه ما، قدر على ذلك، بعد استفراغ مجهوده.
فحصه القلب و شقه إياه
و جرد القلب، فرآه مصمتا من كل جهة. فنظر هل يرى فيه آفة ظاهرة. فلم ير فيه شيئا. فشد عليه يده، فتبين له ان فيه تجويفا. فقال: «لعل مطلوبي الاقصى انما هو في داخل هذا العضو، و انا حتى الآن لم اصل اليه».
تجويفان في القلب: دم منعقد في التجويف الايمن- و التجويف الايسر فارغ
فشق عليه. فالفى فيه تجويفين اثنين: احدهما من الجهة اليمنى، و الآخر من الجهة اليسرى. و الذي من الجهة اليمنى مملوء بعلق منعقد، و الذي من الجهة اليسرى خال، لا شيء فيه. فقال: «لن يعدو مطلوبي ان يكون مسكنه احد هذين البيتين».
ثم قال: «اما هذا البيت الايمن فلا أرى فيه غير هذا الدم المنعقد. و لا شك انه لم ينعقد حتى صار الجسد كله الى هذا الحال، اذ كان قد شاهد ان الدماء كلها متى سالت و خرجت انعقدت و جمدت، و لم يكن هذا الا دما كسائر الدماء. و انا ارى ان هذا الدم موجود في سائر الاعضاء، لا يختص به عضو دون آخر، و انا ليس