حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٨١ - وحدة الوجود - اعتقد حي بن يقظان ان ذاته من ذات الحق؛ و ان ليس شيء الا ذات الحق
هذه و شاهد ما لا عين رأت، و لا اذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر. فلا تعلق قلبك بوصف امر لم يخطر على قلب بشر، فان كثيرا من الامور التي قد تخطر على قلوب البشر يتعذر وصفها، فكيف بأمر لا سبيل الى خطوره على القلب، و لا هو من عالمه و لا من طوره؟ و لست اعني بالقلب جسم القلب و لا الروح التي في تجويفه؛ بل اعني به صورة تلك الروح الفائضة بقواها على بدن الانسان. فان كل واحد من هذه الثلاثة قد يقال له «قلب»، و لكن لا سبيل لخطور ذلك الامر على واحد من هذه الثلاثة، و لا يتأتي التعبير الا عما خطر عليها.
و من رام التعبير عن تلك الحال، فقد رام مستحيلا؛ و هو بمنزلة من يريد ان يذوق الالوان المصبوغة من حيث هي الوان، و يطلب ان يكون السواد مثلا حلوا او حامضا. لكنا مع ذلك، لا نخليك عن اشارات نومئ بها الى ما شاهده من عجائب ذلك المقام، على سبيل ضرب المثل، لا على سبيل قرع باب الحقيقة؛ اذ لا سبيل الى التحقيق بما في ذلك المقام الا بالوصول اليه.
فاصغ الآن بسمع قلبك، و حدق ببصر عقلك الى ما اشير به اليه، لعلك ان تجد منه هديا يلقيك على جادة الطريق. و شرطي عليك ان لا تطالب مني في هذا الوقت مزيد بيان بالمشافهة على ما اودعه هذه الاوراق؛ فان المجال ضيق و التحكم بالالفاظ على امر ليس من شأنه ان يلفظ به خطر.
وحدة الوجود.- اعتقد حي بن يقظان ان ذاته من ذات الحق؛ و ان ليس شيء الا ذات الحق
- فأقول: انه لما فني عن ذاته و عن جميع الذوات، و لم ير في الوجود الا الواحد الحيّ القيوم، و شاهد ما شاهد؛ ثم عاد الى ملاحظة الاغيار، عند ما افاق من حاله تلك التي هي شبيهة بالسكر، خطر بباله انه لا ذات له يغاير بها ذات الحق تعالى، و ان حقيقة ذاته هي ذات الحق، و ان الشيء الذي كان يظن اولا انه ذاته المغايرة لذات الحق، ليس شيئا في الحقيقة، بل ليس ثم شيء إلا ذات الحق، و ان ذلك بمنزلة نور الشمس الذي يقع على الاجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها.
فانه و ان نسب الى الجسم الذي ظهر فيه، فليس هو في الحقيقة شيئا سوى نور الشمس، و ان زال ذلك الجسم زال نوره و بقي نور الشمس بحاله؛ لم ينقص عند حضور ذلك الجسم، و لم يزد عند مغيبه.
و متى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور قبله، فاذا عدم الجسم ذلك القبول