حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٣٢ - كيف تربي حي بن يقظان عناية الظبية بالطفل و حنانها عليه
الدماغ- الكبد:
يلاحظ ان اهمية الاعضاء هي حسب الترتيب الذي ذكره الفارابي (المدينة الفاضلة) الفصل ٢٠ و الفصل ٢١ و كان المتكفل بالحس هو الدماغ، و المتكفل بالغذاء هو الكبد. و احتاج كل واحد من هذين اليه في ان يمدهما بحرارته و بالقوى المخصوصة بهما التي اصلها منه.
فانتسجت بينهما لذلك كله مسالك و طرق بعضها اوسع من بعض، بحسب ما تدعو اليه الضرورة، فكانت الشرايين و العروق.
ثم ما زالوا يصفون الخلقة كلها و الاعضاء بجملتها على حسب ما وصفه الطبيعيون في خلقة الجنين في الرحم، لم يغادروا من ذلك شيئا، الى ان كمل خلقه، و تمت اعضاؤه، و حصل في حد خروج الجنين من البطن. و استعانوا في وصف كمال ذلك بتلك الطينة الكبيرة المتخمرة، و أنها كانت قد تهيأت لان يتخلق منها كل ما يحتاج اليه في خلق الانسان من الاغشية المجللة لجملة بدنه و غيرها. فلما كمل انشقت عنه تلك الاغشية بشبه المخاض، و تصدع باقي الطينة، اذ كان قد لحقه الجفاف.
الجزء الثاني: تربية حي و المعرفة الاولى عن طريق الملاحظة الحسية و التجربة.
الاستمرار في عرض القصة.
ثم استغاث ذلك الطفل عند فناء مادة غذائه، و اشتداد جوعه. فلبته ظبية فقدت طلاها. ثم استوى ما وصفه هؤلاء بعد هذا الموضع، و ما وصفته الطائفة الاولى في معنى التربية، فقالوا جميعا:
كيف تربي حي بن يقظان: عناية الظبية بالطفل و حنانها عليه.
ان الظبية التي تكفلت به وافقت خصبا و مرعى اثيثا، فكثر لحمها و درّ لبنها، حتى قامت بغذاء ذلك الطفل احسن قيام. و كانت معه لا تبعد عنه الا لضرورة الرعي. و الف الطفل تلك الظبية حتى كان بحيث اذا هي ابطأت عنه اشتد بكاؤه، فطارت اليه.
و لم يكن بتلك الجزيرة شىء من السباع العادية، فتربى الطفل و نما و اغتذى بلبن