حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٦٣ - تنويه آخر بالفيض
تنويه بالفيض.- قريب مما ذكره الفارابي في الفيض.
و لما كانت المادة من كل جسم مفتقرة الى الصورة، اذ لا تقوم الا بها، و لا تثبت لها حقيقة دونها، و كانت الصورة لا يصح وجودها الا من فعل هذا الفاعل (المختار)، تبين له افتقار جميع الموجودات في وجودها الى هذا الفاعل، و انه لا قيام لشيء منها الا به. فهو اذن علة لها، و هي معلولة له، سواء كانت محدثة الوجود، بعد ان سبقها العدم، او كانت لا ابتداء لها من جهة الزمان، و لم يسبقها العدم قط. فانها على كلا الحالين معلولة، و مفتقرة الى الفاعل، متعلقة الوجود به، و لو لا دوامه لم تدم، و لو لا وجوده لم توجد، و لو لا قدمه لم تكن قديمة. و هو ذاته غنيّ عنها و بريء منها.
و كيف لا يكون ذلك كذلك و قد تبرهن ان قدرته و قوته غير متناهية، و ان جميع الاجسام.
و ما يتصل بها او يتعلق بها، و لو بعض تعلق، هو متناه منقطع؟ فاذن العالم كله بما فيه من السماويات و الارض و الكواكب، و ما بينها، و ما فوقها، و ما تحتها، فعله و خلقه و متأخر عنه بالذات، و ان كانت غير متأخرة بالزمان.
تنويه آخر بالفيض.
كما انك اذا اخذت في قبضتك جسما من الاجسام، ثم حركت يدك؛ فان ذلك الجسم لا محالة يتحرك تابعا لحركة يدك، حركة متأخرة عن حركة يدك، تأخرا بالذات و ان كانت لم تتأخر بالزمان عنها، فكان ابتداؤهما معا. فكذلك العالم كله معلول و مخلوق لهذا الفاعل بغير زمان «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[١].
فلما رأى ان جميع الموجودات فعله، تصفحها من بعد ذا تصفحا على طريق الاعتبار في قدرة فاعلها، و التعجب من غريب صنعته، و لطيف حكمته، و دقيق علمه. فتبين له في اقل الأشياء الموجودة فضلا عن اكثرها من آثار الحكمة و بدائع الصنعة، ما قضى منه كل العجب، و تحقق عنده ان ذلك لا يصدر الا عن فاعل مختار في غاية الكمال، و فوق الكمال «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ، وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْبَرُ»[٢].
[١] - قرآن كريم سورة يس آية ٨٢
[٢] - قرآن كريم سورة سبأ آية ٣