حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٥٩ - الكواكب كلها ضمن فلك واحد هو اعلاها و هو يحرك الكل من المشرق الى المغرب
و اطرد له ذلك في جميع الكواكب، و في جميع الاوقات. فتبين له بذلك ان الفلك على شكل الكرة. و قويّ ذلك في اعتقاده ما رآه من رجوع الشمس و القمر و سائر الكواكب الى المشرق بعد مغيبها بالمغرب، و ما رآه ايضا من انها تظهر لبصره على قدر واحد من العظم في حال طلوعها و توسطها و غروبها؛ و انها لو كانت حركتها على غير شكل الكرة، لكانت لا محالة في بعض الاوقات اقرب الى بصره منها في وقت آخر؛ و لو كانت كذلك، لكانت مقاديرها و اعظامها تختلف عند بصره، فيراها في حال القرب اعظم مما يراها في حال البعد، لاختلاف ابعادها عن مركزه حينئذ بخلافها على الأول، فلما لم يكن شيء من ذلك، تحقق عنده كروية الشكل)[١].
الكواكب كلها ضمن فلك واحد هو اعلاها و هو يحرك الكل من المشرق الى المغرب:
اعتنق ابن طفيل المدرسه الفيضية التي قال بها ابن سينا، و حسب هذه الفلسفة العالم محاط بفلك يعرف بالفلك المحيط.
و ما زال يتصفح حركة القمر، فيراها آخذة من المغرب الى المشرق، و حركات الكواكب السيارة كذلك، حتى تبين له قدر كبير من عالم الهيئة، و ظهر له ان حركاتها لا تكون الا بافلاك كثيرة كلها مضمنة في فلك واحد، هو اعلاها، و هو الذي يحرك الكل، من المشرق الى المغرب، في اليوم و الليلة؛ و شرح كيفية انتقاله و معرفة ذلك يطول؛ و هو مثبت في الكتب، و لا يحتاج منه في غرضنا الا للقدر الذي اوردناه.
[١] - لا حظ حي ان الكوكب منذ شروقه حتى غروبه يبدو له على حجم واحد، فهو يرسم دائرة في السماء و اعتبر حي جزيرته مركزا لهذه الدائرة؛ فتكون جميع النقط متساوية في الحجم و المسافة. و ذلك لا يتحقق الا في الدوائر اما اذا كانت حركة الافلاك غير كروية لبدت له حينا كبيرة و حينا صغيرة؛ و لكن الامر خلاف ذلك.