حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٩٠ - آسال يسعى في الذهاب الى الجزيرة التي فيها حي
آسال يطلب العزلة
فتعلق آسال بطلب العزلة، و رجح القول فيها، لما كان في طباعه من دوام الفكرة، و ملازمة العبرة، و الغوص على المعاني. و اكثر ما كان يتأتى له امله من ذلك بالانفراد.
و تعلق سلامان بملازمة الجماعة، و رجح القول فيها، لما كان في طباعه من الجبن عن الفكرة و التصرف. فكانت ملازمته الجماعة عنده مما يدرأ الوسواس، و يزيل الظنون المعترضة، و يعيذ من همزات الشياطين.
و كان اختلافهما في هذا الرأي سبب افتراقهما.
آسال يسعى في الذهاب الى الجزيرة التي فيها حي
و كان آسال قد سمع عن الجزيرة التي ذكر ان حي بن يقظان تكوّن بها؛ و عرف ما بها من الخصب و المرافق و الهواء المعتدل؛ و ان الانفراد بها يتأتى لملتمسه. فأجمع على ان يرتحل اليها و يعتزل الناس بها بقية عمره. فجمع ما كان له من المال، و اكترى ببعضه مركبا تحمله الى تلك الجزيرة، و فرق باقيه على المساكين، و ودع صاحبه سلامان، و ركب متن البحر. فحمله الملاحون الى تلك الجزيرة، و وضعوه بساحلها و انفصلوا عنها.
فبقي آسال بتلك الجزيرة يعبد اللّه- عز و جل- و يعظمه و يقدسه، و يفكر في اسمائه الحسنى، و صفاته العليا؛ فلا ينقطع خاطره و لا تتكدر فكرته. و اذا احتاج الى الغذاء تناول من ثمرات تلك الجزيرة و صيدها ما يسد به جوعته. و اقام على تلك الحال مدة هو في اتم غبطة، و اعظم انس، بمناجاة ربه. و كان كل يوم يشاهد من الطافه و مزايا تحفه، و تيسيره عليه في مطلبه و غذائه، ما يثبت يقينه، و يقر عينه.
و كان في تلك المدة حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة. فكان لا يبرح عن مغارته الا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء. فلذلك لم يعثر عليه آسال بأول وهلة، بل كان يتطوف باكناف تلك الجزيرة، و يسيح في ارجائها، فلا يرى انسيا، و لا يشاهد اثرا. فيزيد بذلك انسه و تنبسط نفسه، لما كان قد عزم عليه من التناهي في طلب العزلة و الانفراد؛ الى ان اتفق في بعض تلك الاوقات ان خرج حي بن يقظان لالتماس غذائه، و آسال قد ألم بتلك الجهة. فوقع بصر كل واحد منهما على الآخر.