حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٦٧ - اذا كانت النفس عند اتصالها بالبدن لم تدرك واجب الوجود
فانها تكون مدركة بالقوة. و معنى مدركة بالقوة انها لا تدرك الآن و تدرك في المستقبل- و في حال فتحها و استقبالها للمبصر تكون مدركة بالفعل. و معنى مدركة بالفعل، انها الآن تدرك. و كذلك كل واحدة من هذه القوى تكون مدركة بالقوة، و تكون مدركة بالفعل. و كل واحدة من هذه القوى، ان كانت لم تدرك قط بالفعل، فهي ما دامت بالقوة لا تتشوق الى ادراك الشيء المخصوص بها، لانها لم تتعرف به بعد، مثل من خلق مكفوف البصر. و ان كانت قد ادركت بالفعل تارة، ثم صارت بالقوة، فانها ما دامت بالقوة تشتاق الى الادراك بالفعل، لانها قد تعرفت بذلك المدرك، و تعلقت به، و حنت اليه، مثل من كان بصيرا ثم عمي، فانه لا يزال يشتاق الى المبصرات.
كلما كان الشيء المدرك اتم يكون الشوق اليه اكثر، و المدرك الاسمى هو اللّه، و لما كان اللّه اكمل الموجودات فشوق حي اليه عظيم.
و بحسب ما يكون الشيء المدرك اتم و ابهى و احسن، يكون الشوق اليه اكثر، و التألم لفقده اعظم. و لذلك كان تألم من يفقد بصره بعد الرؤية، اعظم من تألم من يفقد شمه، اذ الأشياء التي يدركها البصر اتم و احسن من التي يدركها الشم. فان كان في الأشياء شيء لا نهاية لكماله، و لا غاية لحسنه و جماله، و بهائه، و هو فوق الكمال و البهاء و الحسن، و ليس في الوجود كمال و لا حسن و لا بهاء و لا جمال الا صادر من جهته، و فائض من قبله. فمن فقد ادراك ذلك الشيء بعد ان تعرف به، فلا محالة انه ما دام فاقدا له يكون في آلام لا نهاية لها، كما ان كان مدركا له على الدوام فانه يكون في لذة لا انفصام لها، و غبطة لا غاية وراءها، و بهجة و سرور لا نهاية لهما.
اذا كانت النفس عند اتصالها بالبدن لم تدرك واجب الوجود
فانها لا تشتاق اليه بعد الموت، و لا تتألم لفقده. هذا قريب من قول الفارابي بان النفس الجاهلة لا تخلد.
و قد كان تبين له ان الموجود الواجب الوجود متصف باوصاف الكمال كلها، و منزه عن صفات النقص و بريء منها؛ و تبين له ان الشيء الذي به يتوصل الى ادراكه امر لا يشبه الاجسام، و لا يفسد لفسادها؛ فظهر له بذلك ان من كانت له مثل هذه الذات، المعدة لمثل هذا الادراك، فانه اذا اطرح البدن بالموت، فاما ان يكون قبل ذلك- في مدة تصريفه للبدن- لم يتعرف قط بهذا الموجود الواجب الوجود، و لا اتصل به، و لا سمع عنه، فهذا اذا فارق البدن لا يشتاق الى ذلك الموجود، و لا يتألم لفقده.