حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٧٧ - اعتناؤه بالكائنات اذ ان الاجسام السماوية تمد هذه الكائنات بالحياة
التشبه بالاجسام السماوية:
اعتقد حي ان الافلاك تسبح اللّه في حركاتها الدائرية؛ فاخذ يدور حول الجزيرة؛ ثم ان الافلاك تدور حول نفسها، فاخذ يدور حول نفسه حتى يغشى عليه كما و انه لاحظ ان الافلاك براقة فاخذ ينظف نفسه.
ثم اخذ في العمل الثاني، و هو التشبه بالاجسام السماوية و الاقتداء بها، و التقبل لصفاتها، و تتبع اوصافها. فانحصرت عنده في ثلاثة اضرب:
الضرب الأول: اوصاف لها بالاضافة الى ما تحتها من عالم الكون و الفساد، و هي ما تعطيه اياه من التسخين بالذات، او التبريد بالعرض، و الاضاءة و التلطيف و التكثيف، الى سائر ما تفعل فيه من الامور التي بها يستعد لفيضان الصور الروحانية عليه من عند الفاعل الواجب الوجود.
فأخذ يقلد حركات الاجسام السماوية
و الضرب الثاني: اوصاف لها في ذاتها، مثل كونها شفافة و نيرة و طاهرة، منزهة عن الكدر و ضروب الرجس، و متحركة بالاستدارة، بعضها على مركز نفسها، و بعضها على مركز غيرها.
و له نفس تحاول ان تستغرق في واجب الوجود
و الضرب الثالث: اوصاف لها بالاضافة الى الموجود الواجب الوجود، مثل كونها تشاهده مشاهدة دائمة، و لا تعرض عنه، و تتشوق اليه، و تتصرف بحكمه، و تتسخر في تتميم ارادته، و لا تتحرك الا بمشيئته و في قبضته. فجعل يتشبه بها جهده في كل واحد من هذه الاضرب الثلاثة.
اعتناؤه بالكائنات اذ ان الاجسام السماوية تمد هذه الكائنات بالحياة
اما الضرب الأول: فكان تشبهه بها فيه ان الزم نفسه ان لا يرى ذا حاجة او عاهة او مضرة، او ذا عائق من الحيوان او النبات، و هو يقدر على ازالتها عنه، الا و يزيلها.- فمتى وقع بصره على نبات قد حجبه على الشمس حاجب، او تعلق به نبات آخر يؤذيه، او عطش عطشا يكاد يفسده، ازال عنه ذلك الحاجب