حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٩٤ - حي يريد ان يعظ سكان الجزيرة بالا يتقيدوا بظاهر الشرع
اشياء في ذات الحق، هو منزه عنها و بريء منها؟ و كذلك في امر الثواب و العقاب؟
و الامر الآخر: لم اقتصر على هذه الفرائض، و وظائف العبادات، و أباح الاقتناء للاموال، و التوسع في المأكل، حتى يفرغ الناس للاشتغال بالباطل، و الاعراض عن الحق؟
و كان رأيه هو ان لا يتناول احد شيئا الا ما يقيم به الرمق. و اما الاموال فلم تكن عنده معنى.
و كان يرى ما في الشرع من الاحكام في امر الاموال، كالزكاة و تشعبها، و البيوع و الربا و الحدود و العقوبات. فكان يستغرب ذلك كله، و يراه تطويلا. و يقول: «ان الناس لو فهموا الامر على حقيقته، لا عرضوا عن هذه البواطل، و اقبلوا على الحق، استغنوا عن هذا كله. و لم يكن لاحد اختصاص بمال يسأل عن زكاته او تقطع الايدي على سرقته، او تذهب النفوس على اخذه مجاهرة».
اعتقد حي ان الناس كلهم ذو و فطر فائقة
و كان الذي أوقعه في ذلك كله أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة، و اذهان ثاقبة، و نفوس حازمة. و لم يكن يدري ما هم عليه من البلادة و النقص، و سوء الرأي، و ضعف العزم، و انهم «كَالْأَنْعامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا!». (قرآن كريم ٢٥/ ٤٦).
حي يريد ان يعظ سكان الجزيرة بالّا يتقيدوا بظاهر الشرع
فلما اشتد اشفاقه على الناس، و طمع ان تكون نجاتهم على يديه، حدثت له نية في الوصول اليهم. و ايضاح الحق لديهم، و تبينه لهم. ففاوض في ذلك صاحبه آسال، و سأله هل تمكنه حيلة في الوصول اليهم؟ فأعلمه آسال بما هم عليه من نقص الفطرة، و الاعراض عن امر اللّه. فلم يتأت له فهم ذلك. و بقي في نفسه تعلق بما كان قد امله.
و طمع آسال ان يهدي اللّه على يديه طائفة من معارفه المريدين الذين كانوا اقرب الى التخلص من سواهم. فساعده على رأيه، و رأيا ان يلتزما ساحل البحر، و لا يفارقاه ليلا و لا نهارا- لعل اللّه ان يسنّي لهما عبور البحر.
فالتزما ذلك، و ابتهلا الى اللّه تعالى بالدعاء ان يهيئ لهما من امرهما رشدا. فكان