حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٨٣ - الفلك الاعلى
واحد و اما كثير. فليتئد في غلوائه، و ليكف من غرب لسانه، و ليتهم نفسه، و ليعتبر بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو بين اطباقه، بنحو ما اعتبر به «حيّ بن يقظان»، حيث كان ينظر فيه بنظر آخر، فيراه كثيرا كثرة لا تنحصر، و لا تدخل تحت حد. ثم ينظر فيه بنظر آخر، فيراه واحدا.
الكثرة في الوحدة من خصائص العالم المحسوس، و ليست من خصائص العالم الالهي
و بقي في ذلك مترددا، و لم يمكنه ان يقطع بأحد الوصفين دون الآخر.
هذا، فالعالم المحسوس منشأه الجمع و الافراد، و فيه تفهم حقيقته، و فيه الانفصال و الاتصال، و التحيز و المغايرة، و الاتفاق و الاختلاف. فما ظنه بالعالم الالهي الذي لا يقال فيه كل و لا بعض، و لا ينطق في امره بلفظ من الالفاظ المسموعة، الا و توهم فيه شيء على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه الا من شاهده؛ و لا تثبت حقيقته، الا عند من حصل فيه.
و اما قوله: «حتى انخلعت عن غريزة العقلاء، و اطرحت حكم المعقول»، فنحن نسلم له ذلك، و نتركه مع عقله و عقلائه. فان العقل الذي يعنيه هو و امثاله، انما هو القوة الناطقة التي تتصفح اشخاص الموجودات المحسوسة، و تقتنص منها المعنى الكلي. و العقلاء الذين يعنيهم، هم ينظرون بهذا النظر. و النمط الذي كلامنا فيه فوق هذا كله، فليسد عنه سمعه من لا يعرف سوى المحسوسات و كلياتها، و ليرجع الى فريقه الذين «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ»[١].
فان كنت ممن يقتنع بهذا النوع من التلويح و الاشارة الى ما في العالم الالهي، و لا تحمل الفاظا من المعاني على ما جرت العادة بها في تحميلها اياه، فنحن نزيدك شيئا مما شاهده «حي بن يقظان» في مقام الصدق الذي تقدم ذكره، فنقول:
الجزء السادس: سلسلة الفيوضات
الفلك الاعلى
انه بعد الاستغراق المحض، و الفناء التام، و حقيقة الوصول، شاهد الفلك الاعلى الذي لا جسم له، و رأى ذاتا بريئة عن المادة، ليست هي ذات الواحد الحق،
[١] - سورة الروم الآية ٧