حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٧٩ - يرد جميع صفات الواجب الوجود(الله) الى ذاته
اشتد في الاستدارة غابت عنه جميع المحسوسات، و ضعف الخيال، و سائر القوى التي تحتاج الى الآلات الجسمانية؛ و قوي فعل ذاته، التي هي بريئة من الجسم. فكانت في بعض الاوقات فكرته تخلص عن الشوب، و يشاهد بها الموجود الواجب الوجود، ثم تكر عليه القوى الجسمانية فيفسد عليه حاله، و ترده الى اسفل السافلين، فيعود من ذي قبل، فان لحقه ضعف يقطع به عن غرضه، تناول بعض الاغذية عن الشرائط المذكورة.
مجاهدته للجسم، و تفكيره في واجب الوجود
ثم انتقل الى شأنه من التشبه بالاجسام السماوية بالاضرب الثلاثة المذكورة؛ و دأب على ذلك مدة، و هو يجاهد قواه الجسمانية و تجاهده، و ينازعها و تنازعه في الاوقات التي يكون له عليها الظهور؛ و تتخلص فكرته عن الشوب، يلوح له شيء من احوال اهل التشبه الثالث. ثم جعل يطلب التشبه الثالث، و يسعى في تحصيله. فينظر في صفات الموجود الواجب الوجود. و قد كان تبين له، اثناء نظره العلمي قبل الشروع في العمل، انها على ضربين: اما صفة ثبوت، كالعلم و القدرة و الحكمة؛ و اما صفة سلب، كتنزهه عن الجسمانية و لواحقها، و ما يتعلق بها، و لو على بعد.
و ان صفات الثبوت يشترط فيها التنزيه، حتى لا يكون فيها شيء من صفات الاجسام التي من جملتها الكثرة، فلا تتكثر ذاته بهذه الصفات الثبوتية، ثم ترجع كلها الى معنى واحد هي حقيقة ذاته. فجعل يطلب كيف يتشبه به في كل واحد من هذين الضربين.
يرد جميع صفات الواجب الوجود (اللّه) الى ذاته:
فمثلا علم اللّه هو هو، و قدرته هي هو؛ و هذا هو رأي المعتزلة في الصفات.
اما صفات الايجاب، فلما علم انها كلها راجعة الى حقيقة ذاته، و انه لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، اذ الكثرة من صفات الاجسام؛ و علم ان علمه بذاته ليس معنى زائدا على ذاته، بل ذاته هي علمه بذاته، و علمه بذاته هو ذاته؛ تبين له انه، ان امكنه هو ان يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائدا