حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٧٢ - و عند ما وصل الى هذه المرحلة تداركه الله برحمته
تتحرك الاجسام السماوية؛ و لو تحرك في الوضع لتحرك على نفسه، و كان كروي الشكل، اذ لا يمكن غير ذلك. فاذن هو شديد الشبه بالاجسام السماوية.
استنتج حي
اولا: ان له جسما يشترك فيه مع باقي الكائنات.
ثانيا: ان له نفسا يشترك بها مع انفس الكواكب.
ثالثا: و ان له روحا عاقلة اعتقد انها من روح اللّه (هنا اقترب حي من التصوف).
و لما كان قد اعتبر احوال الحيوان، و لم ير فيها ما يظن به انه شعر بالموجود الواجب الوجود، و قد كان علم من ذاته انها قد شعرت به، قطع بذلك على انه هو الحيوان المعتدل الروح، الشبيه بالاجسام السماوية كلها؛ و تبين له انه نوع مباين لسائر انواع الحيوان؛ و انه انما خلق لغاية اخرى، و اعد لامر عظيم، لم يعد له شيء من انواع الحيوان؛ و كفى به شرفا ان يكون اخس جزأيه- و هو الجسماني- اشبه الأشياء بالجواهر السماوية، الخارجة عن عالم الكون و الفساد، المنزهة عن حوادث النقص و الاستحالة و التغير. و اما اشرف جزأيه، فهو الشيء الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، و هذا الشيء العارف امر رباني إلهي، لا يستحيل، و لا يلحقه الفساد، و لا يوصف بشيء مما توصف به الاجسام؛ و لا يدرك بشيء من الحواس و لا يتخيل؛ و لا يتوصل الى معرفته بآلة سواه، بل يتوصل اليه به. فهو العارف و المعروف و المعرفة، و هو العالم و المعلوم و العلم؛ لا يتباين في شيء من ذلك، اذ التباين و الانفصال من صفات الاجسام و لواحقها؛ و لا جسم هنالك، و لا صفة جسم، و لا لاحق بجسم.
و عند ما وصل الى هذه المرحلة تداركه اللّه برحمته
و افهمه ان ذاته مباينة لذات الحق و كان ذلك عن طريق الاشراق. فيحاول ان يتشبه بواجب الوجود.
فلما تبين له الوجه الذي اختص به من بين سائر اصناف الحيوان، بمشابهة الاجسام السماوية، رأى ان الواجب عليه ان يتقبلها و يحاكي افعالها، و يتشبه بها جهده.
و كذلك رأى انه بجزئه الاشرف الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، فيه شبه ما منه، من حيث هو منزه عن صفات الاجسام؛ كما ان الواجب الوجود منزه عنها.
و رأى ايضا انه يجب عليه ان يسعى في تحصيل صفاته لنفسه، من اي وجه امكن؛ و ان يتخلق باخلاقه، و يقتدي بافعاله، و يجد في تنفيذ ارادته، و يسلم الامر له، و يرضى بجميع حكمه رضا من قلبه ظاهرا و باطنا، بحيث يسر به؛ و ان كان مؤلما لجسمه، و ضارا به، و متلفا لبدنه بالجملة.