حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٥٥ - الصورة استعداد في الجسم؛ و الصورة تتأثر بمؤثر متميز عنها فاذن هي حادته، و لها فاعل او علة اولى
على الاطلاق، اذ هذا الامر لا يدركه الحس، و لا يقدر على تناوله. و اخذ ابسط الاجسام المحسوسة التي شاهدها، و هي تلك الأربعة التي كان قد وقف نظره عليها.
لكل حادث محدث.- الماء من طبيعته يطلب النزول. اما اذا سخن فيتحول الى بخار يطلب الصعود.
فأول ما نظر الى الماء. فرأى انه اذا خلي و ما تقتضيه صورته، ظهر منه برد محسوس، و طلب النزول الى اسفل. فاذا سخن اولا، اما بالنار، و اما بحرارة الشمس، زال عنه البرد اولا، و بقي فيه طلب النزول. فاذا افرط عليه بالتسخين، زال عنه طلب النزول الى اسفل، و صار يطلب الصعود الى فوق، فزال عنه بالجملة الوصفان اللذان كانا ابدا يصدران عنه و عن صورته، و لم يعرف من صورته اكثر من صدور هذين الفعلين عنها. فلما زال هذان الفعلان اذن بطل حكم الصورة، فزالت الصورة المائية عن ذلك الجسم، عند ما ظهرت منه افعال من شأنها ان تصدر عن صورة اخرى. و حدثت له صورة اخرى، بعد ان لم تكن، و صدر عنه بها افعال لم يكن من شأنها ان تصدر عنه، و هو بصورته الاولى.
فعلم بالضرورة ان كل حادث لا بد له من محدث. فارتسم في نفسه بهذا الاعتبار فاعل للصورة، ارتساما على العموم، دون تفضيل.
الصورة استعداد في الجسم؛ و الصورة تتأثر بمؤثر متميز عنها. فاذن هي حادته، و لها فاعل او علة اولى.
ثم انه تتبع الصور التي كان قد علمها قبل ذلك، صورة صورة، فرأى انها كلها حادثة، و انها لا بد لها من فاعل. ثم انه نظر الى ذوات الصور، فلم ير انها شيء اكثر من استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك الفعل، مثل الماء، فانه اذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة الى فوق و صلح لها. فذلك الاستعداد هو صورته اذ ليس هاهنا الا جسم، و اشياء تحس عنه، بعد ان لم تكن، مثل الكيفيات، و الحركات؛ و فاعل يحدثها بعد ان لم تكن. فصلوح الجسم لبعض الحركات دون بعض، هو استعداده بصورته. و لاح له مثل ذلك في جميع الصور. فتبين له ان الافعال الصادرة عنها ليست في الحقيقة لها، و انما هي لفاعل يفعل بها الافعال المنسوبة