حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٥١ - الروح الحيواني سار في مختلف الاجسام - بدأ حي يهتم بهذا الروح الحيواني و يزدري الجسم
واحد منهما مركبة من معنى الجسمية و من شيء آخر زائد على الجسمية، اما واحد، و اما اكثر من واحد. فلاحت له صور الاجسام على اختلافها، و هو اول ما لاح له من العالم الروحاني، اذ هي صور لا تدرك بالحس، و انما تدرك بضرب (ما) من النظر العقلي. و لاح له في جملة ما لاح من ذلك ان الروح الحيواني الذي مسكنه القلب- و هو الذي تقدم شرحه اولا- لا بد له ايضا من معنى زائد على جسميته يصلح بذلك المعنى لان يعمل هذه الاعمال الغريبة، التي تختص به من ضروب الاحساسات، و فنون الادراكات، و اصناف الحركات. و ذلك المعنى هو صورته و فصله الذي انفصل به عن سائر الاجسام؛ و هو الذي يعبر عنه النظّار بالنفس الحيوانية.
و كذلك ايضا للشيء الذي يقوم للنبات مقام الحار الغريزي للحيوان، شيء يخصه، هو فصله، و هو الذي يعبر عنه النظّار بالنفس النباتية. و كذلك لجميع اجسام الجمادات، و هي ما عدا الحيوان و النبات معا، في عالم الكون و الفساد شيء يخصها به، يفعل كل واحد منها فعله الذي يختص به، مثل صنوف الحركات و ضروب الكيفيات المحسوسة عنها. و ذلك الشيء هو فصل كل واحد منها، و هو الذي يعبر النظّار عنه بالطبيعة.
الروح الحيواني سار في مختلف الاجسام.- بدأ حي يهتم بهذا الروح الحيواني و يزدري الجسم.
فلما وقف بهذا النظر على ان حقيقة الروح الحيواني، الذي كان تشوقه اليه ابدا، مركبة من معنى الجسمية، و من معنى آخر زائد على الجسمية، و ان معنى هذه الجسمية مشترك و لسائر الاجسام، و المعنى الآخر المقترن به ينفرد به هو وحده، هان عنده معنى الجسمية، فاطرحه، و تعلق فكره بالمعنى الثاني، و هو الذي يعبر عنه بالنفس. فتشوق الى التحقق به. فالتزم الفكرة فيه، و جعل مبدأ النظر في ذلك تصفح الاجسام كلها، لا من جهة ما هي اجسام، بل من جهة ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص ينفصل بها بعضها عن بعض.
فتتبع ذلك، و حصره في نفسه؛ فرأى جملة من الاجسام تشترك في صورة ما يصدر عنها فعل ما، او افعال ما. و رأى فريقا من تلك الجملة، مع انه يشارك الجملة بتلك الصورة، يزيد عليها بصورة اخرى، يصدر عنها افعال ما. و رأى طائفة من ذلك الفريق في الصورة الاولى و الثانية تزيد عليه بصورة ثالثة تصدر عنها افعال ما خاصة