حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٣٦ - ما الذي جعله يفكر ان العلة في الصدر
و كذلك كان يرى انه اذا ادخل اصبعيه في اذنيه و سدهما، لا يسمع شيئا حتى يزول ذلك العارض. و اذا امسك انفه بيده، لا يشم من الروائح شيئا حتى يفتح انفه.
فاعتقد من اجل ذلك ان جميع ما لها من الادراكات و الافعال قد تكون لها عوائق تعوقها، فاذا ازيلت تلك العوائق عادت الافعال.
اول استنتاج: العلة غير ظاهرة و لكنها موجودة حتما
فلما نظر الى جميع اعضائها الظاهرة و لم ير فيها آفة ظاهرة، و كان يرى مع ذلك العطلة قد شملتها، و لم يختص بها عضو دون عضو، وقع في خاطره ان الآفة التي نزلت بها انما هي في عضو غائب عن العيان، مستكن في باطن الجسد، و ان ذلك العضو لا يغني عنه في فعله شيء من هذه الاعضاء الظاهرة. فلما نزلت به الآفة عمت المضرّة و شملت العطلة، و طمع بانه لو عثر على ذلك العضو و ازال عنه ما نزل به، لاستقامت احواله، و فاض على سائر البدن نفعه، و عادت الافعال الى ما كانت عليه.
ما الذي جعله يفكر ان العلة في الصدر
و كان قد شاهد قبل ذلك في الاشباح الميتة من الوحوش و سواها ان جميع اعضائها مصمتة، لا تجويف بها الا القحف و الصدر و البطن، فوقع في نفسه ان العضو الذي بتلك الصفة لن يعدوا احد هذه المواضع الثلاثة. و كان يغلب على ظنه غلبة قوية، انه انما هو في الموضع المتوسط من هذه المواضع الثلاثة، اذ كان قد استقر في نفسه ان جميع الاعضاء محتاجة اليه، و ان الواجب بحسب ذلك ان يكون مسكنه في الوسط.
و كان ايضا اذا رجع الى ذاته شعر بمثل هذا العضو في صدره، و لانه كان يعترض سائر اعضائه، كاليد و الرجل و الاذن و الانف و العين، و يقدر مفارقتها. فيتأتى له انه كان يستغنى عنها. و كان يقدر في رأسه مثل ذلك، و يظن انه يستغني عنه، فاذا فكر في الشيء الذي يجده في صدره لم يتأت له الاستغناء عنه طرفة عين. و كذلك كان عند محاربته الوحوش، اكثر ما كان يتقي من صياصيهم على صدره، لشعوره بالشيء الذي فيه.
فلما جزم الحكم بان العضو الذي نزلت به الآفة انما هو في صدرها، اجمع على