حى بن يقظان - ابن طفيل - الصفحة ٣٠ - تكوين جسم الانسان و حلول الروح فيه الاعضاء الرئيسة و الاعضاء المرءوسة
نظرية الفيض.- لا تستطيع جميع الاجسام ان تقبل الروح الفائض من اللّه بل الاجسام المعدة لذلك.
فمن الاجسام ما لا يستضاء به، و هو الهواء الشفاف جدا، و منها ما يستضاء به بعض الاستضاءة، و هي الاجسام الكثيفة غير الصقيلة، و هذه تختلف في قبول الضياء، و تختلف بحسب ذلك الوانها. و منها ما يستضاء به غاية الاستضاءة، و هي الاجسام الصقيلة، كالمرآة و نحوها.
فاذا كانت هذه المرآة مقعرة، على شكل مخصوص، حدثت فيها النار لافراط الضياء. و كذلك الروح الذي هو «من امر»[١] اللّه تعالى، فياض ابدا على جميع الموجودات. فمنها ما لا يظهر اثره فيه لعدم الاستعداد، و هي الجمادات التي لا حياة لها، و هذه بمنزلة الهواء في المثال المتقدم. و منها ما يظهر اثره فيه، و هي انواع النبات بحسب استعداداتها. و هذه بمنزلة الاجسام الكثيفة في المثال المتقدم. و منها ما يظهر اثره ظهورا كثيرا، و هي انواع الحيوان، و هذه بمنزلة الاجسام الصقيلة في المثال المتقدم.
تكوين جسم الانسان و حلول الروح فيه. الاعضاء الرئيسة و الاعضاء المرءوسة.
و من هذه الاجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله لضياء الشمس، انه يحكي صورة الشمس و مثالها. و كذلك ايضا من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله للروح، انه يحكي الروح و يتصور بصورته، و هو الانسان خاصة. و اليه الاشارة بقوله (صلعم):
«ان اللّه خلق آدم على صورته»[٢]. فان قويت فيه هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، و تبقى هي وحدها، و تحرق سبحات نورها كل ما ادركته، كانت حينئذ بمنزلة المرآة المنعكسة على نفسها، المحرقة لسواها. و هذا لا يكون الا للانبياء- صلوات اللّه عليهم اجمعين-. و هذا كله مبين في مواضعه اللائقة به.
فليرجع الى تمام ما حكوه من وصف ذلك التخلق.
قالوا: فلما تعلق هذا الروح بتلك القرارة، خضعت له جميع القوى، و سجدت له، و سخرت بأمر اللّه تعالى في كمالها، فتكوّن بإزاء تلك القرارة نفّاخة اخرى منقسمة
[١] - الآية:« وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» قرآن: سورة ١٧، آية ٨٥.
[٢] - هذه الجملة من حديث اخرجه البخاري عن ابي هريرة( العيني ج ١٠ ص ٤٧١).